التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٥ - كلام عن زيادة«لا» في القسم
حكم سورة واحدة متصل بعضها ببعض.
قال الزمخشري: والاعتراض صحيح، لأنّها لم تقع مزيدة إلّا في وسط الكلام. ولكن الجواب غير سديد. ألاترى إلى امرىء القيس كيف زادها في مستهلّ قصيدته!
قال: والوجه أن يقال: هي للنفي. والمعنى في ذلك أنّه: لا يقسم بالشَيء إلّا إعظاما له، يدلّك عليه قوله تعالى: «فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ». فكأنّه بإدخال حرف النفي يقول: إنّ إعظامى له بإقسامي به كَلا إعظام، يعنى أنّه يستأهل فوق ذلك.
قال: وقيل: إنّ «لا» نفيٌ لكلامٍ وردٌّ له قبل القسم، كأنّهم أنكروا البعث فقيل: لا، أي ليس الأمر على ما ذكرتم. ثمّ قيل: اقسم بيوم القيامة.[١]
قال ابن هشام: «لا» الزائدة تدخل في الكلام لمجرّد تقويته وتوكيده، نحو «ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أن لا تتبعني»[٢]. «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ»[٣]. و يوضّحه الآية الاخرى: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ»[٤]. و منه «لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ»[٥] أي ليعلموا. وقوله:
|
أبى جُودُه لا البُخلَ، واستعجلَتْ به |
نَعَمْ، من فتىً لا يمنعُ الجوعَ قاتلَه[٦] |
|
قال: واختلف فيها في مواضع من التنزيل:
منها قوله تعالى «لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ». فقيل: هي نافية، واختلف هؤلاء في منفيّها على قولين؛ أحدهما: أنّه شَيء تقدّم، وهو ما حكى عنهم كثيرا من إنكار البعث، فقيل لهم:
ليس الأمر كذلك، ثمّ استونف القسم. قالوا: وإنّما صحّ ذلك لأنّ القرآن كلّه كالسورة
[١] - الكشاف، ج ٤، ص ٦٥٨- ٦٥٩.
وهكذا اختار الاستاذ محمد عبده مختار الزمخشري في إفادة النفي إعظاما للمقسم به. تفسير جزء عم، ص ٢٩.
[٢] -. طه ٩٢: ٢٠.
[٣] -. الأعراف ١٢: ٧.
[٤] -. ص ٧٥: ٣٨.
[٥] -. الحديد ٢٩: ٥٧.
[٦] -.« لا البخل» بإضافة« لا» إلى البخل. أي لا، المنسوبة إلى صفة البخل والّتي يستعملها البخيل. يقول الشاعر: أبى جودُه أن يستعمل« لا» الّتي يستعملها البخلاء. واستعجلت به لفظة« نَعَم». وقاتل الجوع: الطعام. أي لا يتمانع من إعطاء الجوع قاتلَه.