التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٦ - ٣ - عذوبة ألفاظه وسلاسة عباراته
الحروف، واجر حركاتها في حسّ السمع، وتأمّل مواضع القلقلة في دال «لقد»، وفي الطاء من «بطشتنا» وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو «تماروا» مع الفصل بالمدّ كأنّها تثقيل، لخفّة التتابع في الفَتَحات إذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمّة عليه مستخفا بعد، ولكون هذه الضمّة قد أصابت موضعها، كما تكون الأحماض في الأطعمة.
ثمّ ردّد نظرك في الراء من «تماروا» فإنها ماجاءت إلّا مساندة لراء «النذر» حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجفو عليه، ولا تغلظ ولاتنبو فيه. ثمّ أعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون «أنذرهم» وفي ميمها، وللغنّة الاخرى التي سبقت الذال في «النذر».
وما من حرف أو حركة في الآية إلّا وأنت مصيب من كلّ ذلك عجبا في موقعه والقصد به، حتى ماتشكّ أنّ الجهة واحدة في نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة، ليس منها إلّا ما يشبه في الرأي أن يكون قد تقدّم فيه النظر وأحكمته الرويّة وراضه اللسان، وليس منها إلّا متخيّر مقصود إليه من بين الكلم ومن بين الحروف ومن بين الكلمات.
وأين هذا ونحوه عند تعاطيه! ومن أيّ وجه يلتمس! وعلى أيّ جهة يستطاع!
وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عَدَدَ حروف ومقاطع ممّا يكون مستثقلًا بطبيعة وضعه أو تركيبه، ولكنّها بتلك الطريقة التي أومأنا إليها قد خرجت في نظمه مخرجا سريا، فكانت من أحضر الألفاظ حلاوة وأعذبها منطقا وأخفّها تركيبا، إذ تراه قد هيّأ لها أسبابا عجيبة من تكرار الحروف وتنوّع الحركات، فلم يجرها في نظمه إلّا وقد وجد ذلك فيها، كقوله تعالى: «لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ»[١] فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف، وقد جاءت عذوبتها من تنوّع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها، فإنّها بذلك صارت في النطق كأنّها أربع كلمات، إذ تنطق على أربعة مقاطع.
وقوله: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ»[٢] فإنّها كلمة من تسعة أحرف. وهي ثلاثة مقاطع. وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ (في) الذي هو سرّ الفصاحة في
[١] - النور ٥٥: ٢٤.
[٢] - البقرة ١٣٧: ٢.