التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٧ - الاستعارة المفيدة
فيه. وهو سبب صالح، إذ التوسّع في الكلام أمرٌ مطلوب.
وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ».[١]
فنسبة القول إلى السماء والأَرض من باب التوسّع، لأنّهما جماد، والنطق إنّما هو للإنسان لاللجماد، ولامشاركة هاهنا بين المنقول والمنقول إليه.
وكذلك قوله تعالى: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ».[٢]
*** قال عبدالقاهر: وأمّا المفيد من الاستعارة فهو الذي يترتّب عليه فائدة وغرض من الأغراض لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل، وذلك الغرض هو التشبيه على أنحائه الكثيرة. ومثاله: قولنا: رأيت أسدا، وأنت تعني رجلًا شجاعا. وبحرا، تريد رجلًا جوادا.
وبدرا، تريد إنسانا مضيء الوجه متهلّلًا. وتقول: سللت سيفا على العدوّ، تريد رجلًا ماضيا في نصرتك، أو رأيا نافذا. وما شاكل ذلك، فقد استعرت اسم الأسد للرجل، ومعلوم أنّك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل لك، وهو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة وإيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه وشدّته، وسائر المعاني المركوزة في طبيعته، ممّا يعود إلى الجرأة والبسالة، وهكذا في غيره من الأمثلة.
قال: والاستعارة في الحقيقة هي هذا الضرب دون الأوّل، وهي أمدّ ميدانا، وأشدّ افتنانا، وأكثر جريانا، وأعجب حسنا وإحسانا، وأوسع سعةً، وأبعد غورا، وأذهب نجدا في الصناعة وغورا، من أن تجمع شعبها وشعوبها، وتحصر فنونها وضروبها. نعم وأسحر سحرا، وأملأ بكلّ ما يملأ صدرا، ويمتّع عقلًا، ويؤنس نفسا، ويوفّر انسا، وأهدى إلى أن تهدى إليك عذارى قد تُخيّر لها الجمال، وعُني بها الكمال.
ومن الفضيلة الجامعة فيها: أنّها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدّة تزيد قدره
[١] - فصّلت ١١: ٤١.
[٢] - الدخان ٢٩: ٤٤. راجع: المثل السائر، ج ٢، ص ٧٩- ٨١.