التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٨ - رعاية المناسبة القريبة
فيها. فكذا ينبغي أن لا يُرتاب في أنّ الفلاح في تزكية النفس، والخيبة في ترديتها. فما أبدعه من تشبيه رائع!
رعاية المناسبة القريبة
وهنا نكتة دقيقة قد تُلفت النظر، هي رعاية المناسبة القريبة بين المقسم به والمقسم عليه،[١] زيادةً على التناسب في أصل الثبات والاستحكام. الأمر الذي نلحظه في القَسَم القرآني بوضوح:
خذ لذلك مثلًا قوله تعالى: «وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ. وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ...»[٢].
في هذه الآيات إشارة إلى أهمّ مهابط وحي اللّه: جبل القدس، طور سيناء وغار حراء.
كانت مباعث أنبياء عظام: عيس المسيح، موسى الكليم ونبيّ الإسلام عليهم السلام.
هذا في طرف المقسم به، أمّا المقسم عليه فهو خَلْق الإنسان في جبلّته الاولى، سليما، سويّا، مفطورا على أحسن تقويم.
فكما أنّ الانحراف في شرائع اللّه، أمر عارض معاكس لنشأتها الاولى، كذلك الانحطاط في خُلُق الإنسان، أمر غريب عن فطرته الاولى الّتي خلقه اللّه عليها. فليعمل الإنسان للثبات على فطرته، جاهدا دون الانخراط في حبائل الشيطان.
و قوله تعالى: «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ. فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ»[٣]. كانت المناسبة ظاهرة بين ربوبيّته تعالى للكائنات، وأنّ الرزق مقسوم من السماء من عند ربّ السماء والأرض.
و قوله تعالى: «قالُوا: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ»[٤]. فالتناسب هنا تناسب الضدّ، نفيا للشرك في العبوديّة والربوبيّة لغير اللّه ربّ العالمين.
[١] - بمقتضى كون القسم نوعا من التشبيه الكامل، والتناسب أساس التشبيه.
[٢] - التين ١: ٩٥- ٥.
[٣] - الذاريات ٢٢: ٥١- ٢٣.
[٤] - الأنعام ٢٣: ٦.