التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٣ - أنحاء الإيجاز بحذف الجمل
أن يقدّر المحذوف عسر عليه.
فممّا جاء منه قوله تعالى: «وَ ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ. وَ قالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ».[١]
فهذا الكلام إذا تأمّلته لم تجده متّصل المعنى، ولم يتبيّن وجه لمجيء ذكر داود عليه السلام رادفا لقوله: «اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ». وإذا أردت أن تقدّر هنا محذوفا يوصل به المعنى عسر عليك.
وتقديره يحتمل وجهين:
أحدهما: أنّه قال: «اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ»، وخوّفهم أمر معصية اللّه، وعظّمها في عيونهم بذكر قصّة داود الذي كان نبيّا وقد آتاه اللّه الملك والنبوّة، ومع ذلك لمّا زلّ زلّة قوبل بكذا وكذا، فما الظنّ بكم أنتم مع كفركم؟
والوجه الآخر: أنّه قال: «اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» واحفظ نفسك أن تزلّ في شيء ممّا كلّفته من مصابرتهم، واحتمال أذاهم. واذكر أخاك داود وكرامته على اللّه كيف زلّ تلك الزلّة، فلقيمن توبيخ اللّه مالقى؟!
فهذا الكلام كماترى يحتاج إلى تقدير، حتى يتّصل بعضه ببعض، وهو من أغمض مايأتي من المحذوفات. وبه يتنبّه على مواضع اخرى غامضة.
*** ومن هذا الضرب، وكأنّ الجمل المحذوفة غير تامّة، قوله تعالى: «يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى (إلى قوله:) بُكْرَةً وَ عَشِيًّا. يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا».[٢]
تقديره: ولمّا ولد له الغلام المبشّر به ونشأ وترعرع قلنا له: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ!
وعلى هذا المنهج ورد قوله تعالى: «وَ لَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ (إلى قوله:) حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى. قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ...».[٣]
[١] - ص ١٥: ٣٨- ١٧.
[٢] - مريم ٧: ١٩- ١٢.
[٣] - طه ٩٠: ٢٠- ٩٢.