التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٠ - ١ - التمكين
بالأبصار وأنّه هوالذي يحيط بالأبصار، فكان كدعوى مقرونة بشاهد دليل.
* وقوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ».[١]
خَتم الآية الاولى بقوله: «لَطِيفٌ خَبِيرٌ»، لأنّ «لَطُف» هنا من «اللُّطف» بمعنى الرفق والرأفة، بخلافه هناك، كان من «اللّطافة» بمعنى الدقّة ضدّ الضخامة والكثافة، فلمّا كان الكلام في إنزال الماء من السماء وإنبات الأَرض ... وهو السبب الأول لإمكان المعيشة على الأَرض، فناسبه الإشارة بجانب لُطفِه تعالى بعباده، إلى جنب علمه المحيط بمواضع فقرهم وحوائجهم في الحياة.
وختم الثانية بقوله: «لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» تنبيها على أنّه تعالى في غنىً عن ملك السماوات والأَرض وأنّه يَجلُّ شأنه ويعزّ جانبه من أن يعتزّ بملك، ولو كان المملوك عوالم الملكوت فهو أعزّ شأنا وأرفع جانبا من الاعتزاز بهكذا امور، هي صغيرة في جنب عظمة ذاته تعالى وفخامة جانبه المرتفع إليه كلُّ ثناء ومحمدة في عالم الوجود.
وختم الثالثة بقوله: «لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» لأنّه ذكر جَعل الأَرض ومافيها، والبحر وماعليها في خدمة الإنسان. وأمسك بقذائف السماء أن تهدم الحياة على الأَرض ... فهذا كلّه ناشىء عن رأفته تعالى بعباده ورحمته عليهم.
* وقوله تعالى: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ».[٢]
ختمت الآية الاولى بقوله: «أَ فَلا تَسْمَعُونَ» لأنّه المناسب لذكر الليل السرمد، وهي الظلمة المطبقة، لاموضع فيها لحسّ البصر، سوى حسّ السمع يسمع حسيسها.
[١] - الحج ٦٣: ٢٢- ٦٥.
[٢] - القصص ٧١: ٢٨- ٧٢.