التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦ - ١ - دقيق تعبيره ورقيق تحبيره
وطلاقته كافيا لهذا الشأن، ولا كلّ من اوتي حظّا من بديهة وعارضة كان ناهضا بحمله ومضطلعا بعبئه مالم يجمع إليها سائر الشرائط التي ذكرناها على الوجه الذي حدّدناه ...
وأنّى لهم ذلك ومن لهم به؟ و «لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً».[١]
وقد تقدّم كلام ابن عطية في متابعته للخطّابي في الاختيار، قال: ووجه إعجازه أنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما، وأحاط بالكلام كلّه علما، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأُولى، ويتبيّن المعنى دون المعنى، ثمّ كذلك من أوّل القرآن إلى آخره. والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم بالضرورة أنّ أحدا من البشر لايحيط بذلك، وبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة.
قال: وكتاب اللّه سبحانه لو نزعت منه لفظة، ثمّ ادير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد ...[٢]
*** وللأُستاذ درّاز تمثيل رائع بشأن روعة نظم القرآن وفخامة اسلوبه، شبّه ألفاظ اللغة والكلم الموضوعة بالمواد الأوّلية اللازمة للبناء، فلا تختلف البنايات في أصل المواد، ولا كانت الموادّ ممّا ابتدعه المهندسون، لا وإنّما التفاوت هو تفاوت الأذواق ومقدار المعرفة بانتخاب أصلح المواد وأتقن الآلات والأدوات. إنّها هندسة البناء يخلقها قرائح البنّائين ويبتدعها المهندسون.
قال: إنّ مثل صنعة البيان لمثل صنعة البنيان، فالمهندسون البنّاؤون لايخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض، ولا يخرجون في صنعتهم عن قواعدها العامّة، ولايعدو ما يصنعونه أن يكون جدرانا مرفوعة، وسقفا موضوعة، وأبوابا مشرعة، ولكنّهم تتفاضل صناعاتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد وأبقاها على الدهر، وأكنّها للنّاس من الحرّ
[١] - الإسراء ٨٨: ١٧. راجع: إعجاز القرآن، ص ٢١- ٣٧، وقد تقدّم نقل كلامه بتفصيل في الجزء الرابع من التمهيد، عند عرض الآراء والنظرات في دراسات السابقين.
[٢] - مقدّمة تفسيره، ص ٢٧٨؛ وراجع: البرهان للزركشي، ج ٢، ص ٩٧.