التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥١ - الموسيقى الباطنة للقرآن
|
قال لي صاحبي ليعلم ما بي |
أتحبَّ القتول اخت الرباب |
|
أنت تسمع وتطرب وتهتزّ على الموسيقى، ولكنّ الموسيقى هنا خارجية صنعها الشاعر بتشطير الكلام في أشطار متساوية ثمّ تقفيل كلّ عبارة تقفيلًا واحدا على الباء الممدودة.
الموسيقى تصل إلى اذنك من خارج العبارة وليس من داخلها. من التقفيلات (القافية) ومن البحر والوزن. أمّا حينما تتلو: «وَ الضُّحى. وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى»[١] فأنت أمام شطرة واحدة، وهي بالتالي تخلو من التقفية والوزن والتشطير، ومع ذلك فالموسيقى تقطر من كلّ حرف فيها، من أين؟ وكيف؟
هذه هي الموسيقى الداخلية.
الموسيقى الباطنة سرٌّ من أسرار المعمار القرآني لايشاركه فيه أيّ تركيب أدبي.
وكذلك حينما تقول: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى».[٢]
وحينما تتلو كلمات زكريا لربّه: «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا».[٣]
أو كلمة اللّه لموسى: «إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى».[٤]
أو كلمته تعالى وهو يتوعّد المجرمين: «إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى».[٥]
كلّ عبارة بنيان موسيقيّ قائم بذاته تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ومن ورائها ومن بينها بطريقة محيّرة لاتدري كيف تتمّ.
وحينما يروي القرآن حكاية موسى بذلك الأُسلوب السيمفوني المذهل: «وَ لَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى.
[١] - الضحى ١: ٩٣- ٢.
[٢] - طه ٥: ٢٠.
[٣] - مريم ٤: ١٩.
[٤] - طه ١٥: ٢٠.
[٥] - طه ٧٤: ٢٠.