التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٦ - التخلص والاقتضاب وفصل الخطاب
ومن عجيب الرأي مازعمه أبوالعلاء محمَّد بنغانم[١] قال: إنّ كتاب اللّه خالٍ من التخلّص لما فيه من التكلّف.[٢]
قال ابنالأثير: وهذا القول فاسد، لأنّ حقيقة التخلّص إنّما هي الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره، بلطيفة تلائم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه. وفي القرآن مواضع كثيرة، كالخروج من الوعظ والتذكير والإنذار والتبشير، إلى أمر ونهي ووعد ووعيد، ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة لنبيّ مرسل وملك منزَل، إلى ذمّ شيطان مريد وجبّار عنيد، بلطائف دقيقة ومعانٍ آخذ بعضها برقاب بعض.
فممّا جاء من التخلّص في القرآن الكريم قوله تعالى:
«وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ. قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ. قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ. قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ. قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ. وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ. رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ. وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ. وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ. وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ. فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ. وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ. قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ. تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ. وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ. فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ. وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ. فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».[٣]
قال ابنالأثير: هذا كلام يُسكر العقول، ويُسحر الألباب. وفيه كفاية لطالب البلاغة.
[١] - المعروف بالغانمي، كان من الشعراء الفضلاء، وهو من شعراء نظام المُلك.
[٢] - حسبما نقله عنه الزركشي في البرهان، ج ١، ص ٤٣.
[٣] - الشعراء ٦٩: ٢٦- ١٠٢.