التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٦ - إيجاز حذف
ومن شرط حسنه، بل من لزوم حكم البلاغة فيه، أنّه متى أظهر صار الكلام إلى شيء غثّ، لايناسب ماكان عليه أولًا من الطلاوة والجمال.
وقد أكثر القرآن منه وأجاد فيه بما أثار الإعجاب، وأبان سرّا من أسرار الإعجاز.
القرآن لايقف عند حدّ اجتناب الحشو والفضول من الكلام، وانتقاء الألفاظ والكلمات التامّة الانطباق بالمعنى المراد. بل إنّه كثيرا مّا يسلك في الإيجاز سبيلًا أعزّ وأعجب تراه يعمد- بعد حذف فضول الكلام وزوائده- إلى حذف شيء من اصوله وأركانه التي لايتمّ الكلام في العادة إلّا به، ولايستقيم المعنى بدونه، وفي نفس الوقت يستثمر من تلك البقية الباقية ما يؤدّي المعنى كاملًا، في وضوح وطلاوة وعذوبة، حتى يُخيَّل إليك من سهولة المسلك أنّ لفظه أوسع من المعنى قليلًا.
وإذا ماطلبت سرّ ذلك رأيته قد أودع معنى تلك الكلمات المحذوفة أو الجمل المطويّة، في كلمة هنا وحرف هناك، ثمّ أدار الاسلوب إدارة عجيبة، وأمرّ عليها جندرة البيان[١] بيد صنّاعة، فأحكم بها خلقه وسوّاه ثمّ نفخ فيه من روحه، فإذا هو مصقول أملس، وإذا هو نيّر مشرق، لتشعر النفس بما كان فيه من حذف أوطيّ، ولا بما صار إليه من استغناء واكتفاء، إلّا بعد تأمّل وفحص دقيق.
انظر إلى قوله تعالى: «وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ».[٢]
وردت الآية بشأن اولئك المجرمين، ممّن كان يتجاسر بموقف الرسول ويتهكّم به، قائلًا متمسخرا: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ».[٣]
وقد قال تعالى بشأنهم: «وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ».[٤] وقال: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ
[١] - يقال: جندر الكتاب بمعنى أمرّ القلم على مادرس منه. النبأ العظيم، ص ١٣١.
[٢] - يونس ١١: ١٠.
[٣] - الأنفال ٣٢: ٨.
[٤] - يونس ٤٦: ١٠.