التعليقة الاستدلالية على تحرير الوسيلة - المشكيني، الشيخ علي - الصفحة ٢٧٠ - فصل في عقد النكاح وأحكامه
وثالثة: تكون مسبوقة بثلاث مقدّمات مترتّبة: تصوّر الفعل، والميل إليه، والتصديق بأنّه ينبغي أن يفعل. وهذه المقدّمة عبارة عن توجّه النفس إلى الموانع والمزاحمات من مضارّ الفعل وحرمته وغيرهما، وهي تحصل غالباً للإنسان العاقل فيما إذا لم تعرضه الحالة السالبة لهذه المقدّمة، وهي التي تجعل الفعل اختياريّاً مورداً لتعلّق التكليف وتنجّزه وترتّب المثوبة والعقوبة عليه، بل وهي التي تجعل نفس الإرادة اختياريّةً بحيث لا تستلزم التسلسل، ولذا قال في «كفاية الاصول»- في جواب من قال: إنّ القصد لا يكون اختياريّاً وإلّا لتسلسل: «إنّ الاختيار، وإن لم يكن بالاختيار، إلّاأنّ بعض مبادئه غالباً يكون وجوده بالاختيار للتمكّن من عدمه، بالتأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللوم والمذّمة»[١].
وعليه: فلو لم تصل النوبة في الشخص المريد إلى ذلك: إمّا لغفلته بالكلّيّة، أو لقلّة شعوره كالصبيّ والمجنون، أو لغلبة الغضب أو الشهوة كان الفعل إراديّاً غير اختياري، فالحكم باستحقاقه العقاب- حينئذٍ- غير سديد.
فالصادر من الإنسان قد يكون إراديّاً غير اختياري، وقد يكون إراديّاً اختياريّاً، وقد يشاهد في الحيوان ما يكشف عن وجود هذه الإرادة فيه، فترى أنّ الكلب والهرّ والقرد- مثلًا- قد تريد الصعود إلى مرتفع فتنظر وتلاحظ، فتثب نحوه تارةً وتنصرف اخرى، بحيث يظهر من حالها التردّد ولحاظ الإمكان وصلاحيّة الوثوب.
وأمّا الملائكة، فالظاهر أنّهم مريدون في أفعالهم لا مختارون، فهم بمجرّد العلم بكون شيءٍ مراداً للّه تعالى يريدون ذلك من غير خطور أمرٍ آخر في بالهم، أو أنّ إرادتهم تحصل بإرادة اللّه تعالى، فإرادة الربّ تعالى بالنسبة إلى إرادتهم تكوينيّة، وبالنسبة إلى إرادتنا تشريعيّة.
[١]. كفاية الاصول ٢: ٢٦٠- ٢٦١ ..