الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ٥٣٠ - الباب الحادي والثلاثون باب الاستطاعة
السجدة: «وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»[١]:
فإن قلت: من أين صحّ تفسير الرجوع بالتوبة ولعلّ من اللَّه إرادة، وإذا أراد اللَّه شيئاً كان ولم يمتنع، وتوبتهم ممّا لا يكون؛ ألا ترى أنّها لو كانت ممّا يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر؟
قلت: إرادة اللَّه تتعلّق بأفعاله وأفعال عباده، فإذا أراد شيئاً من أفعاله كان ولم يمتنع للاقتدار وخلوص الداعي، وأمّا أفعال عباده فإمّا أن يريدها وهم مختارون لها، أو مضطرّون إليها بقسره وإلجائه، فإن أرادها وقد قسرهم، فحكمها حكم أفعاله، وإن أرادها على أن يختاروها وهو عالم أنّهم لا يختارونها، لم يقدح ذلك في اقتداره، كما لا يقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك وهو لا يختارها؛ لأنّ اختياره لا يتعلّق بقدرتك، وإذا لم يتعلّق بقدرتك لم يكن فقده دالّاً على عجزك. انتهى[٢].
وفيه: أنّه إن أراد بالاقتدار القدرة على أفعاله- كما يظهر من قياسه على[٣] العبد- فهذا خارج عمّا فيه الكلام، وإن أراد به ملك السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما، فذلك يقدح في اقتداره البتّة، كيف لا وقد تعلّقت باختيارهم إرادته ولم يقدر على تصرّف في اختيارهم، وقياسه من أقبح قول. وقوله: «فحكمها حكم أفعاله» يجيء بُعيد هذا ما فيه.
الدليل الثاني- ولا حاجة فيه إلى إبطال الشقّين الأوّلين من الدليل الأوّل- أن يُقال:
صدور الإيمان باختيار عن الكافر- مثلًا- ممكن[٤] في نفسه ككفره، وإذا كان كلّ منهما مفوّضاً إلى الكافر بحيث يقع منه إن شاء اللَّه، وإن لم يشأ لم يكن بيده تعالى أزمّة الامور، ولم يكن تعالى مالكاً لما ملّك العباد إيّاه، ولا قادراً على ما أقدرهم عليه؛ أي ما دام التمليك والإقدار، وهذا نقص في الملك والسلطنة، ونقص الملك ممتنع عليه عقلًا؛ لما مرّ في شرح عنوان «باب حدوث العالم وإثبات المحدث» من أنّ كلّ دليل يدلّ على إثبات الصانع يدلّ على أنّه كامل من جميع الجهات، ولا نقص فيه أصلًا، وبديهيّ أنّ
[١]. السجدة( ٣٢): ٢١.
[٢]. الكشّاف، ج ٣، ص ٢٤٥.
[٣]. في« ج»:« إلى».
[٤]. في« ج»:« يمكن».