التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٨ - التخلص والاقتضاب وفصل الخطاب
فانظر أيّها المتأمّل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض، مع احتوائه على ضروب المعاني، فيخلص من كلّ واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة، حتى كأنّه أُفرغ في قالب واحد، فخرج من ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إيّاها- مع ماهي فيه من التعرّي عن صفات الإلهية، حيث لاتضرّ ولاتنفع، ولاتبصر ولاتسمع- إلى ذكر اللّه تعالى، فوصفه بصفات الإلهية، فعظّم شأنه، وعدّد نعمه، ليعلم بذلك أنّ العبادة لاتصحّ إلّا له.
ثمّ خرج من هذا إلى دعائه إيّاه وخضوعه له. ثمّ خرج منه إلى ذكر يوم القيامة وثواب اللّه وعقابه، فتدبّر هذه التخلّصات اللطيفة المودعة في أثناء هذا الكلام.
*** وفي القرآن مواضع كثيرة من التخلّصات، كالذي ورد في سورة الأعراف، فإنّه ذكر فيها قصص الأنبياء والامم الخالية، من آدم إلى نوح عليهماالسلام وكذلك إلى قصّة موسى عليه السلام حتّى انتهى إلى آخرها الذي هو:
«وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ. وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّا هدانا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».[١]
هذا تخلّص من التخلّصات الحسان، فإنّ اللّه تعالى ذكر الأنبياء والقرون الماضية إلى
[١] - الأعراف ١٥٥: ٧- ١٥٧.