التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٧ - التخلص والاقتضاب وفصل الخطاب
فإنّه متى أنعم فيه نظره، وتدبّر أثناءه ومطاوي حكمته، علم أنّ في ذلك غنىً عن تصفّح الكتب المؤلّفة في هذا الفن. ألا ترى ما أحسن مارتّب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين، حين سألهم أولًا عمّا يعبدون، سؤال مقرّر لاسؤال مستفهم. ثمّ أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنّها لاتضرّ ولاتنفع، ولاتبصر ولا تسمع، وعلى تقاليد آبائهم الأقدمين فكسّره، وأخرجه من أن يكون شبهة، فضلًا عن أن يكون حجّة. ثمّ أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله الذي لاتجب العبادة إلّا له، ولا ينبغي الرجوع والإنابة إلّا إليه، فصوّر المسألة في نفسه دونهم بقوله: «فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي» على أنّي فكّرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة لعدوّ وهو الشيطان فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كلّه فييده. وأراهم بذلك أنّها نصيحة ينصح بها نفسه، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلّا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه. ولو قال: فإنّهم عدوٌّ لكم، لم يكن بتلك المثابة. فتخلّص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر اللّه تعالى، فأجرى عليه تلك الصفات العظام، من تفخيم شأنه وتعديد نعمه، من لدن خلقَه وأنشأه، إلى حين وفاته.
مع مايرجّى في الآخرة من رحمته. ليعلم من ذلك أنّ من هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على الخلق الخضوع له والاستكانة لعظمته.
ثمّ خرج من ذلك إلى مايلائمه ويناسبه، فدعا اللّه بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين. لأنّ الطالب من مولاه إذا قدّم- قبل سؤاله وتضرّعه- الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة.
ثمّ أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث ويوم القيامة، ومجازاة اللّه تعالى من آمن به واتّقاه بالجنة، ومن ضلّ من عباده النار. فجمع بين الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته.
ثمّ سأل المشركين عمّا كانوا يعبدون سؤالًا ثانيا عند معاينة الجزاء، وهو سؤال موبّخ لهم مستهزئ بهم. وذكر مايدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ماكانوا فيه من الضلال، وتمنّي العودة ليؤمنوا.