التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٦ - نكت و ظرف
و الجواب: إنّ السياق في سورة النحل في وصف اللّه تعالى وبيان عظمته ودلائل فيضه، فيبدأ بخلق السماوات والأَرض، ثمّ خلق الإنسان والأنعام والدوابّ، وإنزال المطر وإنبات الزرع، وتسخير الليل والنهار، وما أودع اللّه في بطون الأَرض والبحار والجبال، «وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»[١] فينتهي إلى قوله: «أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ»[٢] ويعقّبها بقوله: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ».
والآية في سورة إبراهيم سيقت لبيان وصف الإنسان وجموحه وتمرّده عن الصراط، فيبدأ بالويل للكافرين من عذاب شديد «الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً»[٣] ثمّ يذكر تصرّف الإنسان تجاه دعوة الأنبياء «وَ قالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ. أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ، وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ».[٤] «وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ»[٥] إلى أن ينتهى إلى قوله: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ»[٦] وهكذا كلّما جلّت نِعمُه وعظمت آلاؤه على هذا الإنسان ازداد جموحا وتمرّدا وعصيانا. «وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ».[٧]
وأمّا اختصاص وصف الرحمة والغفران هناك بالذكر من بين الصفات فلمقابلة الظلم والكفران من الإنسان هنا. فإنّ رحمته تعالى أوسع من سخطه: «يا من وسِعَت رحمتُه غضبَه». «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ».[٨] وهكذا كلّما تمادى الإنسان في ظلمه وعتوّه فإنّ أبواب التوبة مفتوحة، والطرق إلى غفرانه تعالى مشرعة: «قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى
[١] - النحل ١٦: ١٦.
[٢] - النحل ١٧: ١٦.
[٣] - إبراهيم ٣: ١٤.
[٤] - إبراهيم ٨: ١٤- ٩.
[٥] - إبراهيم ١٣: ١٤.
[٦] - إبراهيم ٢٨: ١٤.
[٧] - إبراهيم ٣٤: ١٤.
[٨] - الأعراف ١٥٦: ٧.