التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٠ - دعوة زكريا ربه
أنّ حاصلهما هو انتقالُ الذهن من مفهوم اللفظ إلى مايلازمهُ، ثمّ تلك الملازمة إمّا أن تكون دلالة على جزء المفهوم، أو تكون دلالة على معنى يصاحب المفهوم، فالأولُ هو الدلالة التضمنية، والثاني هو الدلالة الخارجية، وهما جميعا من اللوازم، ثمّ إنّ تلك اللوازم تارةً تكون قريبة، وتارةً تكون بعيدة، فمن أجل ذلك صحّ تأدية المعاني بطرق كثيرة، بعضها أكمل من بعض، وتارةً تزيد، ومرّة تنقص، فلأجل هذا اتّسع نطاق البلاغة وعظم شأنه، وارتفع قدرهُ وعلا أمره، فربّما عَلا قدرُ الكلام في بلاغته حتى صار معجزا لارتبة فوْقَه، وربّما نزل الكلام حتى صار ليس بينه وبين نَعيق البهائم إلّا مزيّة التأليف والتركيب، وربّما كان متوسّطا بين الرتبتين، وقد يُوصف اللفظ بالجَودة، لكونه متمكّنا في أسَلات الألسنة غير ناب عن مدارجها، ولاقَلِق على سطح اللسان، جيِّدا سبكه صحيحا طابعه، وأنّه في حقِّ معناه من غير زيادة عليه ولانقصان عنه، وقد يذمّونه بنقائض هذه الصفات بأنّه مُعقَّدٌ جُرزٌ، وأنّه لِتعقيدِه استهلَكَ المعنى، يمشي اللسانُ إذا نطق به كأنّه مُقيَّد، وَحشيٌّ، نافرٌ، نازلُ القدر، طويلُ الذيول من غير فائدة، ولامعنى تحته، وقد يصفون المعنى بالجودة بأنّه قريبٌ جزلٌ، يسبقُ إلى الأذهان قبل أن يسبق إلى الآذان، ولايكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، حتى كأنّه يدخل إلى الأُذن بلا إذن، وقد يذمّونه بكونه ركيكا نازل القدر، بعيدا عن العقول، وهلُمَّ جرّا إلى سائر ما ذكرناه من جهة المعنى على جهة المناقضة، والقرآنُ كلُّه من أوّله إلى آخره حاصلٌ على هذه المزايا، موجودة فيه على أكمل شيء وأتمّه، فللّه درُّه من كتاب اشتملَ على علوم الحكمة وضمَّ جوامع الخطاب، واودع مالم يُودع غيره من الكتب المنزلة من حقائق الإجمال ودقائق الأسرار المفصّلة.
وبعد ذلك خاض محاسن الآية مستخرجا لآليها قائلًا:
وإذا أردت أن تكحل بصرك بمرود التخييل، والاطّلاع على لطائف الإجمال والتفصيل، فاتلُ قصّة زكريّا عليه السلام وقف عندها وقفة باحث وهي قوله تعالى: «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» فإنّك تجد كلّ جملة منها بل كلّ كلمة من كلماتها تحتوي على لطائف، وليس في آي القرآن المجيد حرف إلّا وتحته سرٌّ ومصلحةٌ فضلًا