التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٧ - ليست في القرآن زيادة حرف
قال: غير خفيّ أنّ القرآن نزل على أرقى أنحاء العربيّة وتفنّنها بمحاسن الكلام، ممّا كان مأنوس الفهم في عصر النزول، حيث رواج الأدب العربي وقيام سوقه، وكان بحيث يفهم المراد منه بانس الطبع ومرتكز الغريزة كلّ سامع عربيّ ويقف على مزاياه الراقية.
ولكن بعد وفور سائر الامم في حوزة الإسلام وتفرّق العرب بالتجنيد في سائر البلاد، أخذ اسلوب الكلام العربي يتغيّر ويتبدّل عمّا كان على أصالتها الاولى. فعاد ذلك المأنوس غريبا في العامّة وذلك الطبيعى الغريزي يحتاج في معرفته إلى ممارسة التطبّع وكلفة التعلّم والتدرّب في اللغة وآدابها على النهج السّويّ، اقتباسا بقدر الوسع من ذلك الأدب القديم.
وربما أدّت وعورة البحث والجمود على التقليد إلى عثرات الوهم أو إحجام الشكوك.
و من شواهد ذلك أنّ صاحب الكشّاف، مع تضلّعه من الأدب العربي ومعرفته بفذلكات الكلام، اضطرب كلامه وتفسيره في كلمة واحدة تكرّرت في القرآن الكريم، وهو: دخول «لا» على فعل القسم «لا اقسم». فما قاله في موضع ناقضه في موضع آخر.
ربما قال بزيادة «لا» واخرى بكونها نافية واستشهد بما لا يمسّ مواقع الآيات.
و هكذا صرّح بزيادتها في قوله تعالى: «لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ» وفسّرها بيعلم.
ووافقه على ذلك جماعة. فاغتنم أعداء اللّه من ذلك فرصة الغمز في القرآن بأنّه مشتمل على زياداتٍ لا موضع لها في الكلام.
قال- رحمه اللّه-: وليت شعري لماذا لا تُنزّه جلالة القرآن المجيد وبراعته عن لغويّة هذه الزيادة الّتي لا غاية فيها إلّا الإبهام والإيهام.
ثمّ أخذ- رحمه اللّه- في معالجة تلكم الموارد الّتي زعموا فيها زيادة حرف.
أمّا دخول «لا» على القسم، فليتهم لم يخلطوا بين دخولها على فعل القسم- كما في الآيتين- وبين دخولها على حرف القسم، كما في بيتي امرىء القيس وغوثة وغيرهما، ممّا لا يقع جوابه إلّا منفيّا. فإنّه واضح الظهور في أنّ «لا»- الداخلة على حرف القسم- نافية، موطّئة لنفي الجواب تأكيدا. وسبيلها سبيل قوله تعالى: «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى