التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٨ - المذهب الكلامي
وهكذا يقترب من مقصوده مليّا ... وهو فنّ من أساليب البيان، دقيق مسّه، رقيق رمسه. قلّ من يتوفّق لمثله في قدرة الاستحواذ على مشاعر من سمع الخطاب. «إنّ مِن البيانِ لَسحرا».
أنشد ابن المعتزّ لنفسه:
|
أسرفتُ في الكتمان |
وذاك منّي دَهاني[١] |
|
|
كتمتُ حبّك حتّيكتمتُه كتماني |
فلم يكن لي بدّمن ذكره بلساني
قال ابن رشيق: وهذه الملاحة نفسُها، والظرف بعينه.
وقال أبو نؤاس:
|
سخُنت من شدّة البرودة ح- |
- تى صرت عندي كأنّك النار |
|
|
لايعجب السامعون من صفتيَ |
كذلك الثلج بارد حارّ |
|
قال ابن رشيق: فهذا مذهب كلاميّ فلسفي.[٢]
*** قال ابن معصوم: وهذا النوع أول من ذكره الجاحظ: وهو عبارة عن أن يأتي البليغ بحجّة على مايدّعيه على طريقة المتكلّمين، وهي أن تكون بعد تسليم المقدّمات مستلزمة للمدّعى.[٣]
قال ابن أبيالإصبع: وزعم الجاحظ أنّه لايوجد منه شيء في القرآن. والكتابُ مشحون به[٤] ومنه محاججات إبراهيم عليه السلام مع قومه من قوله تعالى: «وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ (إلى قوله:) وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ».[٥] وذكروا أنّ من أول سورة الحج إلى قوله:
«وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ».[٦] خمس نتائج تستنتج من عشر مقدّمات رتيبة.
وذكر أبوالحسن الرمّاني- في الضرب الخامس من باب المبالغة-: إخراج الكلام
[١] - دهي فلانا: أصابه بداهية.
[٢] - العمدة، ج ٢، ص ٧٩ و ٨٠.
[٣] - أنوار الربيع، ج ٤، ص ٣٥٦.
[٤] - بديع القرآن، ص ٣٧.
[٥] - الأنعام ٨٠: ٦- ٨٣.
[٦] - الحج ١: ٢٢- ٧.