التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٠ - التخلص والاقتضاب وفصل الخطاب
وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ. أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ».[١]
وقوله: «أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ».[٢] وهذا من بديع التخلّص، فإنّه سبحانه خلص من وصف المخلصين و ما أعدّ لهم إلى وصف الظالمين وما أعدّ لهم.
قال: واعلم أنّه حيث قصد التخلّص فلابدّ من التوطئة له.
ومن بديعه قوله تعالى: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ»[٣] يشير إلى قصّة يوسف عليه السلام فوطّأ بهذه الجملة إلى ذكر القصّة، يشير إليها بهذه النكتة من باب الوحي والرمز.
وكقوله سبحانه موطّئا للتخلّص إلى ذكر مبتدأ خلق المسيح عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً ... الآية».[٤]
قال ابن أبيالإصبع: ومن براعة التخلّص في الكتاب العزيز قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ»[٥] فإنّه سبحانه وطّأ بها إلى سياقة خبر ميلاد المسيح عليه السلام، فذكر اصطفاء آدم عليه السلام توطئة يخلص بها إلى ذكر وَلَدِه نوح عليه السلام، وذكر اصطفاء نوح يتخلّص إلى ذكر وَلَده إبراهيم عليه السلام، وذكر اصطفاء آل إبراهيم بعد ذكر آل نوح توطئة ليتخلّص بذكرهم إلى آل عمران من ولد إبراهيم، وتخلّص بذكر آل عمران إلى ذكر امرأة عمران، ليسوق قصّة حملها بمريم عليهماالسلام وكفالة زكريا عليه السلام لها، وذكر وَلَده يحيى عليه السلام وقصّة حمل مريم بالمسيح عليهما السلام و ما كان في ذلك من الآيات الباهرات، وما آتاه اللّه تعالى من المعجزات.
قال: فوقع في هذه الآية من التخلّصات البارعة التي أتت على أحسن ترتيب، وأبين
[١] - النمل ٢٣: ٢٧- ٢٦.
[٢] - الصافّات ٦٢: ٣٧.
[٣] - يوسف ٣: ١٢.
[٤] - آل عمران ٣٣: ٣. راجع: البرهان للزركشي، ج ١، ص ٤٣- ٤٥.
[٥] - آل عمران ٣٣: ٣.