التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٤ - إيجاز وإيفاء أم براعة في بلاغة البيان؟
شريف، لايتعلّق به إلّا فرسان البلاغة، وسُبّاق ميادين الفصاحة، ممّن سبق إلى غايتها وما صلّى، وضرب في أعلى درجاتها بالقِدْح المعلّى. وذلك لعلوّ شأنه ورفيع مقامه، بل ولتعذّر إمكانه على غير أهله.
والبليغ كلّ البليغ من أوجز في كلامه فأوفى، واختصر في مقاله فأفاد. الأمر الذي يصعب على غير النبلاء من أرباب الفصاحة والبيان. وقد كان للقرآن منه الحظّ الأوفر والقسط الأكبر بما أثار الإعجاب وأطار بعقول ذوي الألباب.
قال ابن الأثير: والنظر في هذا الباب إلى المعاني بالذات لا إلى الألفاظ، ولستُ أعني بذلك أن تُهمَل الألفاظ، بحيث تُعرّى عن أوصافها الحسنة، بل أعني أنّ مدار النظر في هذا النوع إنّما يختصّ بالمعاني، فربّ لفظ قليل يدلّ على معنىً كثير، وربّ لفظ كثير يدلّ على معنىً قليل.
ومثال هذا كالجوهرة الواحدة إلى الدراهم الكثيرة، فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم لكثرتها، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة لنفاستها. ولهذا سمّى النبيّ صلى الله عليه و آله سورة الفاتحة «امّ الكتاب». وإذا نظرنا إلى مجموعها وجدناه يسيرا، لايتناسب أن تكون «امّا» لمثل سورة «البقرة» أو «آل عمران» من السور الطوال، فعلمنا أنّ ذلك لأمرٍ يرجع إلى معانيها.
وبهذه المناسبة أفاد بيان أقسام معاني القرآن بما يشتمل عليه سُوَرهُ وآياته من أنحاء ستة، ثلاثة منها اصول، وثلاثة فروع موفّرة أكثرها في الفاتحة.
أمّا الاصول، فأحدها: التعريف بالمدعوّ إليه بما اشتمل على ذكر صفاته ونعوته.
وثانيها: التعريف بالصراط المستقيم الذي يجب سلوكه إلى اللّه تعالى. وثالثا: تعريف الحال بعد اللقاء في نهاية المطاف.
وأمّا الفروع، فأحدها: التعريف بأحوال كلّ من المجيبين للدعوة والعاصين، وصنع اللّه بهم من النصرة أو التدمير. وثانيها: ذكر مجادلات الخصوم. وثالثها: أخذ الزاد والاهبّة للاستعداد.