التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٢ - الموسيقى الباطنة للقرآن
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ. وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى».[١]
كلمات في غاية الرقّة مثل «يَبَساً» أو لاتخاف «دَرَكاً» بمعنى لاتخاف إدراكا.
إنّ الكلمات لتذوب في يد خالقها وتصطفّ وتتراصّ في معمار ورصف موسيقيّ فريد هو نسيج وحده بين كلّ ماكتب بالعربية سابقا ولاحقا.
لاشبه بينه وبين الشعر الجاهلي، ولابينه وبين الشعر والنثر المتأخّر، ولا محاولة واحدة للتقليد حفظها لنا التاريخ برغم كثرة الأعداء الذين أرادوا الكيد للقرآن.
في كلّ هذا الزحام تبرز العبارة القرآنية منفردة بخصائصها تماما، وكأنّها ظاهرة بلا تبرير ولا تفسير سوى أنّ لها مصدرا آخر غير مانعرف.
اسمع هذا الإيقاع المنغم الجميل:
«رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ».[٢]
«فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ».[٣]
«فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً».[٤]
«يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ».[٥]
«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ».[٦]
«وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً».[٧]
ثمّ هذه العبارة الجديدة في تكوينها وصياغتها، العميقة في معناها ودلالتها على العجز عن إدراك كنه الخالق:
«عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ».[٨]
[١] - طه ٧٧: ٢٠- ٧٩.
[٢] - غافر ١٥: ٤٠.
[٣] - الأنعام ٩٥: ٦.
[٤] - الأنعام ٩٦: ٦.
[٥] - غافر ١٩: ٤٠.
[٦] - الأنعام ١٠٣: ٦.
[٧] - الأعراف ٨٩: ٧.
[٨] - الرعد ٩: ١٣.