البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٨٠
الأوّلون عن حديث الفرار بأنّه عليه السلام أمر بالفرار من المجذوم خوفَ أن يقع في العلّة اتّفاقا، فيعتقد أنّ العدوى حقّ وله حقيقة. [١] وبالجملة: المراد نفي استقلال العدوى بدون مدخليّة مشيئة اللّه عزّ وجلّ، بل مع الاستعاذة باللّه لصرفه عنه، فلا ينافي الأمر بالفرار من المجذوم وأمثاله لعامّة الناس الذين لضعف يقينهم لا يستعيذون به تعالى، وتتأثّر نفوسهم بأمثاله. وقد روي أنّ عليّ ابن الحسين عليهماالسلام أكل مع المجذومين، ودعاهم إلى طعامه، وشاركهم في الأكل. [٢] وقيل: الجذام مستثنى من هذه الكلّيّة. [٣] (ولا طيرة). هذه كسابقها يحتمل الوجهين. وقيل: المراد أنّه لا يجوز التطيّر، أي الفأل الرديء والتشاؤم به بتأثير الاُمور على الاستقلال، بل مع قوّة النفس وعدم التأثّر بها والتوكّل على اللّه تعالى يرتفع تأثيرها، ويؤيّده ما ورد في بعض الأدعية من الاستعاذة منها. [٤] قال ابن الأثير: فيه: لا عدوى، ولا طيرة؛ الطيرة ـ بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن ـ : هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير طيرة، وتخير خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يقال: التطيّر بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما. وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنّه ليس له تأثير في جلب نفع أودفع ضرّ. [٥] وقال الجوهري: برح الظبي بالفتح بروحا: إذا أولاك مياسره يمرّ من ميامنك إلى مياسرك، والعرب تتطيّر بالبارح وتتفاءل بالسانح؛ لأنّه لا يمكنك أن ترميه حتّى تنحرف. [٦] وقال: السنيح والسانح: ما ولّاك ميامنه من ظبي أو طائر أو غيرهما. تقول: سنح لي
[١] . ولا يخفى على ذي قريحة أنّ هذا التأويل ركيك، ومعنى الحديث ما قالوا، واللّه أعلم.[٢] اُنظر: بحار الأنوار، ج ٥٥، ص ٣١٩.[٣] نقله العلّامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار، ج ٥٥، ص ٣١٩.[٤] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ٢٦، ص ٩٧.[٥] النهاية، ج ٣، ص ١٥٢ (طير).[٦] الصحاح، ج ١، ص ٣٥٦ (برح).