البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٩٢
ويفهم من السياق أنّ المقصود من هذا الكلام زجر الشيعة عن التعرّض للمخالفين في زمن استيلائهم وشوكتهم. وقوله عليه السلام : (هلك المحاضير) تحذير من العجلة، وترغيب في الصبر على الأذى والتقيّة، وكأنّه جمع المحضير أو المِحضار، وهو الفرس الذي يرتفع في عَدْوه ويسرع فيه، واُريد منها (المستعجلون) في ظهور دولة الحقّ قبل أوانها، كالزيديّة وأضرابهم. وفي بعض النسخ: «المحاصير» بالمهملتين. وقيل: هي جمع محصور، كالميامين، وهو صاحب الصدر الضيّق الذي لا يصبر على شيء. [١] (أما أنّهم لن يريدوا إلّا من يعرض لهم). يُقال: عرض له كذا ـ كضرب ـ أي ظهر عليه، وبدا، كعرض وعلم، والشى له: أظهره له؛ يعني أنّ أهل الخلاف وخلفائهم لا يتعرّضون للقتل والأذى إلّا لمن عرض لهم وتصدّى لمحاربتهم، أو ذمّهم على باطلهم، أو للطعن والسبّ لأئمّتهم، أو ترك التقيّة التي أمر اللّه ـ عزّ وجلّ ـ بها. وفي كثير من النسخ: «لن يريدوا الأمر يعرض لهم» وكأنّه تصحيف، ويحتمل أن يقرأ حينئذ: «الامرء» بالهمزة. (أما أنّهم لم يريدوكم بمجحفة) بتقديم الجيم على الحاء المهملة. قال الفيروزآبادي: «المجحفة: الداهية. واجتحفه استلبه». [٢] (إلّا عرض اللّه لهم بشاغل). الباء للتعدية، أي أظهر اللّه وأبدا لهم شاغلاً ومانعا من نقيل مرادهم، فلولا فضله ورحمته ووقايته لن ينجو من دواهيهم وشرورهم أحد من الشيعة. (قال: أترى قوما حبسوا أنفسهم على اللّه ) أي ألزموا على أنفسهم طاعة أمر اللّه ، وملازمة دينه، ومجانبة معاصيه، طلبا لما عنده من جزيل المثوبات. (لا يجعل اللّه لهم فرجا) ممّا هم فيه من الضيق والضنك وشرّ الأعداء والأسقام للتقرير.
[١] ذهب إليه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ١٢، ص ٣٨٨.[٢] القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٢٢ (جحف).