البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٣٦
تسخّن؛ لمصاحبته بالروح، وبطلت فائدته، فاحتيج إلى هواء جديد يدخل ويقوم مقام الهواء الأوّل، فاحتيج إلى إخراج الأوّل المتسخّن ليخلو المكان للثاني؛ إذ لو بقي محتبسا، لضيّق المكان، وزاحم الروح والحرارة الغريزيّة، وليندفع معه الأبخرة الدخانيّة التي لو بقيت لسخنت الروح والعرقيّة، لأنّها حارّة حادّة يزداد حرارة الروح باختلاطهما. وثانيها: ما يؤكل ويشرب، ووجه الاضطرار إليه أنّ البدن دائم التحلّل بالأسباب الداخلة والخارجة، فلو لم يرد عليه غذاء، يقوم بدل ما يتحلّل منه، لم يبق مدّة تكوّنه، فاضطرّ لذلك إلى المأكول. وأمّا الاضطرار إلى المشروب، فلطبخ المأكول، وترقيقه وتنفيذه، فهو متمّم لأمر الغذاء. وقالوا: إنّ الماء لا يغذو البدن لبساطته، والمغتذي مركّب ذو مزاج، والغاذي يجب أن يكون شبيها بالمغتذي، لكنّه إذا انطبخ مع الغذاء كيلوسا صار جميع ذلك غازيّا، لا ما فيه من الأجزاء الغذائيّة فقط، والذى ينفصل عنه من المائيّة، ويخرج من البدن القدر الزائد على ما ينبغي أن يكون في الغذاء، والذي يدلّ على ذلك أنّ مرقة اللّحم يغذو البدن، ولو كان الغذاء ما فيها من الأجزاء اللّحميّة بدون المرقة، ما يحصل بالمرقة وليس كذلك. وثالثها: الحركة والسكون البدنيّان. ورابعها: الحركة والسكون النفسانيّان، أي الصادران عن قوى النفس؛ فإنّ النفس لا حركة لها، ولا سكون، وتلك الحركة كالشهوة والغضب وسكونها إنّما تصدران عن قواها. وخامسها: النوم واليقظة. وسادسها: الاستفراغ والاحتباس. قالوا: ويضطرّ إلى الاستفراغ؛ لأنّ بقاء البدن بدون الغذاء محال، وليس غذاء يستحيل بجملته إلى مشابهة جوهر الأعضاء، بل لابدّ أن يبقى منه عند كلّ هضم فضلة، وتلك الفضول إن بقيت في البدن، ولم يستفرغ، وأفسدت ما يصل إليه من الغذاء الجديد، فيجب أن يستفرغ ويخرج من البدن، وإلى الاحتباس؛ لأنّ البدن دائم التحلّل، فيحتاج دائما إلى بدل ما يتحلّل منه، ولا يمكن استعمال الغذاء دائما مستمرّا، فاحتيج بالضرورة إلى أن يحتبس الغذاء عند الأعضاء إلى أن يرد الغذاء الجديد، ولو أمكن استعمال الغذاء دائما لم يستغن عن هذا الاحتباس والادّخار؛ لأنّ الغذاء ليس شبيها