البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٧٩
هو بمشيئة اللّه عزّ وجلّ، ومنه الدّاء والشفاء. وقوله: (لا عدوى). قال في النهاية: فيه: لا عدوى، ولا صفر. العدوى: اسم من الإعداء، كالرعوى والبقوى من الإرعاء والابقاء. يُقال: أعداه الداء يُعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الدّاء، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلاً فتّتقي مخالطته بإبل اُخرى، حذرا أن يتعدّى إليها ما به من الجرب، فيصيبها ما أصابه. وقد أبطله الإسلام؛ لأنّهم كانوا يظنّون أنّ المرض بنفسه يتعدّى، فأعلمهم النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه ليس الأمر كذلك، وإنّما اللّه تعالى هو الذي يُمرض ويُنزل الداء، ولهذا قال في بعض الأحاديث: فمن أعدى الأوّل، أي من أين صار فيه الجرب، انتهى. [١] وقال الطّيبي: العدوى: مجاوزة العلّة، أو الخلق إلى الغير، وهو بزعم أهل الطبّ في سبع: الجذام، والجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائيّة. فأبطله الشرع، أي لا تسري علّته إلى شخص. وقيل: بل نفى استقلال تأثيره، بل هو متعلّق بمشيئة اللّه تعالى، ولذا منع من مقاربته كمقاربة الجدار المائل والسفينة المعيبة. وأجاب الأوّلون: بأنّ النهي عنها للشفقة خشية أن يعتقد حقّيّته إن اتّفق إصابة عاهة. [٢] أقول: توضيح المقام ما قيل إنّه اختلف في قوله عليه السلام : «لا عدوى»، فحمله الأكثر على أنّ المراد به إبطاله في نفسه كما هو الظاهر. وقيل: ليس المراد إبطاله في نفسه، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وإنّما المراد نفي ما يعتقدونه من أنّ تلك العلل المعدية مؤثّرة بنفسها مستقلّة في التأثير، فأعلمهم أنّ الأمر ليس كذلك، وإنّما هو بمشيئته ـ عزّ وجلّ ـ وفعله، وبيّن بقوله: «فرّ من المجذوم» أنّ مخالطة ذي العلّة أحد أسباب العلّة، فليتّق كما يتّقى الجدار المائل. [٣] وقد يرجّح الثاني لما فيه من التوفيق بين الأحاديث والاُصول الطبيّة التي ورد الشرع باعتبارها على وجه لا يناقض اُصول التوحيد. وأجاب
[١] النهاية، ج ٣، ص ١٩٢ (عدو).[٢] نقل عنه العلّامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار، ج ٥٥، ص ٣١٩.[٣] ذهب إليه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ١٢، ص ٢٤٦ و ٢٤٧.