البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٨٩
عمر فقال لعليّ: قُم فبايع، فتلكأ، واحتبس، فأخذ بيده، فقال: قُم، فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، ثمّ أمسكهما خالد، وساقهما عمر ومن معه سوقا عنيفا، واجتمع الناس ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة بالرِّجال، ورأت فاطمة ما صنع عمر، فصرخت، وولولت، واجتمعت معها نساء كثير من الهاشميّات وغيرهنّ، فخرجت إلى باب حجرتها، ونادت: «يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، واللّه لا اُكلّم عمر حتّى ألقى اللّه ». قال: فلمّا بايع عليّ عليه السلام والزبير، وهدأت تلك الفورة مشى إليها أبو بكر بعد ذلك، فشفع لعمر، وطلبه إليها، فرضيت عنه. [١] ثمّ قال ابن أبي الحديد بعد ذكره بعض الأخبار في ذلك: والصحيح عندي: إنّها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وإنّها أوصت أن لا يصلّيا عليها، وذلك عند أصحابنا من الأهواء المغفورة لهما، وكان الأولى لهما إكرامها واحترام منزلها. [٢] ثمّ روى بإسناده عن ابن عبّاس: أنّ عمر قال له: أما واللّه إنّ صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلّا إنّا خفناه على ثنتين؛ على حداثة سنّه، وحبّه بني عبد المطلّب. [٣] وقد أورد ابن قتيبة أكثر هذه الواقعة الشنيعة، وذكر أنّه هدّد أبو بكر عليّا عليه السلام بالقتل إن لم يُبايع، فأتى قبر النبيّ صلى الله عليه و آله باكيا وقال: «يا ابن اُمّ، إنّ القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني» انتهى. [٤] أقول: والحمد للّه أجرى الحقّ على لسان أعدائه، ليكون حجّة عليهم لأوليائه، ليحاجّوهم به عند ربّهم وعند خاتم أنبيائه، فليتدبّر المنصف الطالب للحقّ والرّشاد، هل يظهر من تلك الأخبار بغض هؤلاء الكفرة ومعاندتهم لأهل بيت النبوّة وارتدادهم عن الدِّين، وشقّهم عصا المسلمين، وظلمهم لأئمّة الدِّين، وغصب حقّ سلالة سيِّد المرسلين، وجرءتهم على اللّه في هتك حرمة أهل بيت احترمهم روح الأمين مع أنّهم رووا أخبار متكثّرة: «أنّ حبّهم إيمان،
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٦، ص ٤٩، ذيل الخطبة ٦٦.[٢] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٦، ص ٥٠، ذيل الخطبة ٦٦.[٣] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٦، ص ٥١، ذيل الخطبة ٦٦ مع التلخيص.[٤] الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٢٠.