البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٨٣
ثمّ اعلم أنّ القصّة المذكورة في الكتاب من المشهورات المرويّة من طرق الخاصّة والعامّة بأسانيد متكثّرة، بحيث يجري مضمونه مجرى المتواترات، ونحن نذكر هنا نبذة من الطريقين؛ ليكون كالتفسير والتأييد لما في الكتاب، وتذكرة لاُولي الألباب، وحسما لمادّة شبهات أهل الارتياب. أمّا الخاصّة فمنها: ما رواه الشيخ الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج عن سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي رضى الله عنه أنّه قال: لمّا بايع القوم أبا بكر وكان، الليل، حمل عليّ عليه السلام فاطمة عليهاالسلامعلى حمار، وأخذ بيد ابنيه حسن وحسين، فلم يدَع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلّا أتاه في منزله، وذكّره حقّه، ودعاه إلى نصرته، فما استجاب له من جميعهم إلّا أربعة وعشرون [١] رجلاً، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلّقين رؤوسهم، معهم سيوفهم، قد بايعوه على الموت، فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة ـ فقلت لسلمان: ومَن الأربعة؟ قال: أنا وأبو ذرّ والمقداد والزبير بن العوّام ـ ثمّ أتاهم من الليل، [٢] فناشدهم فقالوا: نصبحك بكرة، فما منهم أحدٌ وافى غيرنا. ثمّ الليلة الثالثة فما وافى غيرنا. فلمّا رأى علي عليه السلام غدرهم، وقلّة وفائهم، لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلّفه ويجمعه، فلم يخرج حتّى جمعه كلّه، فكتبه على تنزيله والناسخ والمنسوخ، فبعث إليه أبو بكر أن اُخرج فبايع، فبعث إليه: إنّي مشغول، فقد آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلّا للصلاة حتّى اُؤلّف القرآن فأجمعه، فجمعه في ثوب، فختمه، ثمّ خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فنادى عليّ عليه السلام بأعلى صوته: «أيّها الناس، إنّي لم أزل منذ قبض النبيّ صلى الله عليه و آله مشغولاً بغسله، ثمّ بالقرآن، حتّى جمعته كلّه في هذا الثوب، فلم ينزل اللّه على نبيّه صلى الله عليه و آله آية من القرآن إلّا وقد جمعتها، وليست منه آية إلّا وقد أقرأنيها رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وأعلمني تأويلها». [فقالوا: لا حاجة لنا به، عندنا مثله]. ثمّ دخل بيته، فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى عليّ فليبايع، فإنّا لسنا في شيء حتّى يبايع، ولو قد بايع أمنّاه [وغائلته]، فأرسل أبو بكر رسولاً أن أجب خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فأتاه الرسول فأخبره بذلك، فقال عليّ عليه السلام : «ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، إنّه ليعلم ويعلم الذين حوله أنّ اللّه ورسوله لم يستخلفا غيري».
[١] في المصدر: «وأربعون».[٢] في المصدر: «من الليلة الثانية».