البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٦٤
بين القامتين؛ إذ طول قامة مستوى الخلقة ثلاثة أذرع ونصف تقريبا، فإذا كان طول قامته الاُولى سبعين بذلك الذراع تكون نسبة القامة الثانية إلى الاُولى نسبة الواحد إلى عشرين، أي نصف عشر. وينطبق الجواب على السؤال؛ إذ الظاهر منه أنّ غرض السائل استعلام طول قامته الاُولى، فلعلّه كان يعرف طول قامته الثانية؛ لاشتهاره بين أهل الكتاب، أو المحدِّثين من العامّة بما رووا عن الرسول صلى الله عليه و آله من ستّين ذراعا، [١] فمع صحّة تلك الرواية يعلم بانضمام ما أوردناه في حلّ خبر الكتاب أنّه عليه السلام كان طول قامته أوّلاً ألفا ومأتي ذراع بذراع من كان في زمن الرسول صلى الله عليه و آله ، أو بذراع من كان في زمن آدم عليه السلام من أولاده. الثامن: ما خطر ببالي أيضا، لكن وجدته بعد ذلك منسوبا إلى بعض الأفاضل من مشايخنا رحمه الله، وهو أنّ الباء في قوله: «بذراعه» للملابسة؛ يعني: صيّر طول آدم سبعين ذراعا بملابسة ذراعه، أي كما قصر من طوله قصر من ذراعه؛ لتناسب أعضائه، وإنّما خصّ بذراعه؛ لأنّ جميع الأعضاء داخلة في الطول بخلاف الذراع. والمراد حينئذٍ بالذراع في قوله عليه السلام : (سبعين ذراعا) إمّا ذراع من كان في زمن آدم عليه السلام ، أو من كان في زمان من صدر عنه الخبر، وهذا وجهٌ قريب. التاسع: أن يكون الضمير في قوله: «بذراعه» راجعا إلى جبرئيل عليه السلام ، أي بذراعه عند تصوّره بصورة رجل ليغمزه. ولا يخفى بُعده من وجهين: أحدهما: عدم انطباقه على ما ذكر في هذا الكتاب؛ إذ الظاهر أنّ «صيّر» هنا بصيغة الأمر، فكان الظاهر على هذا الحلّ أن يكون بذراعك. ويمكن توجيهه؛ إذ قرئ بصيغة الماضي بتكلّف تامّ. وثانيهما: عدم جريانه في أمر حوّاء لتأنيث الضمير إلّا أن يتكلّف بإرجاع الضمير إلى اليد. ولا يخفى ركاكته وتعسّفه. العاشر: أن يكون الضمير راجعا إلى الصادق عليه السلام ، أي أشار عليه السلام إلى ذراعه، فقال: صيّره سبعين ذراعا بهذا الذراع، أو إلى عليّ عليه السلام ؛ لما سبق أنّه كان في كتابه. وهذا إنّما يستقيم على ما في بعض النسخ؛ فإنّ فيها في الثاني أيضا: «بذراعه». وعلى تقديره يندفع الإشكال الأخير في الحلّ السابق أيضا، لكن البُعد عن العبارة باقٍ . ثمّ اعلم أنّ الغمز يمكن أن يكون باندماج الأجزاء وتكاثفها. [٢]
[١] مسند أحمد، ج ٢، ص ٢٣١ و ٢٥٣ و ٥٣٥؛ كنز العمّال، ج ١٥، ص ٦٠٦، ح ٤٢٤٠٨.[٢] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ٢٦، ص ١٧١ ـ ١٧٧.