البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٧٦
بقاء تلك المخالفين على أعمالهم الفاسدة وأفعالهم الكاسدة، وحرمانهم من الأجر والثواب، وقبول أعمال المؤمنين، وكونهم مثابين بها، يشفي غيظ صدورهم. (فاتّقوا اللّه عزّ وجلّ) في ارتكاب المناهي، وترك الأوامر خصوصا التقيّة. وقوله: (فإنكم في هدنة) تعليل للأمر بالاتّقاء المتضمّن للأمر بالتقيّة؛ يعني أنّكم في مصالحة مع مخالفيكم إلى زمان ظهور دولة الحقّ، فلا يسوغ لكم الآن إظهار مخالفتهم. قال الجوهري: «هَدَنَ يَهْدُنُ هدونا: سكن. وهدنه، أي سكنه، يتعدّى ولا يتعدّى. وهادنه: صالحه. والاسم منهما: الهُدنة، بالضمّ». [١] (وأدّوا الأمانة) إلى أهلها، وإن كان مخالفا أو كافرا، كما هو مفاد عموم الآية، ويدلّ عليه آخر الخبر، ويجيء أيضا من الأخبار ما يدلّ على ذلك. (فإذا تميّز الناس) أي اختلاف آراؤهم عند مضلّات الفتن. (فعند ذلك ذهب كلّ قوم بهواهم، وذهبتم بالحقّ). الباء في الموضعين للتعدية، أو بمعنى «مع». ويحتمل بعيدا كونها بمعنى «إلى». والمراد بكلّ قوم أهل الخلاف. (ما أطعتمونا) أي ما دمتم مطيعين لنا. والظرف متعلّق ب«ذهبتم». والظاهر أنّ المراد بالإطاعة الإطاعة في الأعمال والعقائد جميعا، لا الثاني فقط، ولا مجرّد الإقرار. (ليس القضاة والاُمراء وأصحاب المسائل) أي الفقهاء وأهل الإفتاء. (منهم) أي من المخالفين والاستفهام للتقرير. وفيه إيماء إلى شدّتهم وكثرتهم، وظهور شوكتهم، فهو بمنزلة تعليل آخر للأمر بالاتّقاء، أو تعليل للهدنة، والغرض الترغيب في المماشاة والمداراة معهم، والتقيّة منهم لقوّتهم وكثرتهم، وضعف أهل الحقّ وقلّتهم. (فإنّكم لا تطيقون الناس) أي المخالفين. (كلّهم). والمراد عدم الإطاقة في إظهار خصومتهم ومنازعتهم، وعدم إمكان مقاومتهم؛ لما ذكر.
[١] الصحاح، ج ٥، ص ١٨٤٢ (وصل).[٢] الصحاح، ج ٦، ص ٢٣٠٣ (جفا) مع التلخيص.[٣] الصحاح، ج ٦، ص ٢٣٢٤ (حيا) مع التلخيص.[٤] القاموس المحيط، ج ٢، ص ١١٥ (قرر) مع التلخيص.[٥] الصحاح، ج ٦، ص ٢٢١٧ (هدن).[٦] القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٥٠ (أخذ) مع التلخيص.