البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٦١
فأمّا الجواب عن الإشكال الأوّل فمن وجهين: الأوّل: أنّه يمكن أن يكون للشمس حرارة من غير جهة الانعكاس أيضا، ويكون قامته عليه السلام طويلة جدّا بحيث لا يتجاوز الطبقة الزمهريريّة، [١] ويتأذّى من تلك الحرارة. ويؤيّده ما روى في بعض الأخبار العامّيّة في قصّة عوج بن عناق أنّه كان يرفع السمك إلى عين الشمس ليشويه بحرارتها. [٢] والثاني: أنّه لطول قامته كان لا يمكنه الاستظلال ببناء ولا جبل ولا شجر، فكان يتأذّى من حرارة الشمس لذلك، وبعد قصر قامته ارتفع ذلك، وكان يمكنه الاستظلال بالأبنية وغيرها. وأمّا الثاني فقد اُجيب عنه بوجوهٍ شتّى: الأوّل: ما ذكره بعض الأفاضل من مشايخنا: إنّ استواء الخلقة ليس منحصرا فيما هو معهود الآن؛ فإنّ اللّه تعالى قادر على خلق الإنسان على هيئات اُخر، كلّ منها فيه استواء الخلقة، ومن المعلوم أنّ أعضاءنا الآن ليست بقدر أعضاء آدم عليه السلام ، وقامتنا ليست كقامته، فالقادر على خلقنا دونه وعلى تقصير طوله عن الأوّل قادر على أن يجعل بعض أعضائه مناسبا للبعض بغير المعهود، وذراع آدم عليه السلام يمكن أن يكون قصيرا مع طول العضد وجعله ذا مفاصل، أو ليّنا بحيث يحصل الارتفاق به، والحركة كيف شاء، كما يمكن بهذا الذراع والعضد. والثاني: ما ذكره الفاضل المذكور أيضا، وهو أن يكون المراد بالسبعين سبعين قدما أو شبرا، وترك ذكر القدم أو الشبر؛ لما هو متعارف شايع من كون الإنسان غالبا سبعة أقدام، أو أنّ بقرينة المقام كان يعلم ذلك، كما إذا قيل: طول الإنسان سبعة، تبادر منه الأقدام، فيكون المراد أنّه صار سبعين قدما أو شبرا بالأقدام المعهود في ذلك الزمان، كما إذا قيل: غلام خماسي؛ فإنّه يتبادر منه خمسة أشبار لتداول مثله واشتهاره. وعلى هذا يكون قوله: «ذراعا» بدلاً من «السبعين» بمعنى أنّ طوله الآن، وهو السبعون بقدر ذراعه قبل ذلك. وحينئذٍ فائدة قوله: (ذراعا بذراعه) معرفة طوله أوّلاً؛ فإنّ من كون الذراع سبعين قدما مع كونه قدمين، والقدمان سبعا القامة يعلم منه طوله الأوّل، فذكره لهذه الفائدة على أنّ السؤال الواقع بقول السائل كم كان طول آدم حين هبط إلى الأرض يقتضي جوابا يطابقه. وكذا قوله: (كم كان طول
[١] في المصدر: «الزمهرير».[٢] اُنظر: تفسير القرطبي، ج ٦، ص ١٢٦.