البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٤٩
واعلم أنّ التصديق بظواهر أمثال تلك الأحاديث والأخبار المنقولة في الكتب المعتبرة عن أهل البيت الأطهار من أعظم سير الديّانين بالأخبار، وتأويلها بمجرّد الاستبعادات الواهية، والاستناد إلى اُصول الفلاسفة والمتصوّفة من غير ضرورة، دعت إليه من أطوار الأشرار المنتحلين بالدِّين المتّصفين المحرّفين للكلم عن مواضعه. قال بعضهم في شرح هذا الحديث: كان ذلك إشارة إلى عالم المثال؛ فإنّه عالم نورانيّ نوره من [نور] نفسه، ولذا قال: «يستضيئون بنوره» أي بنور ذلك العالم. [١] قال: ونقل عن الحكماء الأقدمين أنّ في الوجود عالما مقداريّا غير العالم الحسّي، لا تتناهى عجائبه، ولا تحصى مدُنُه، من جملة تلك المُدن جابلقا وجابرصا، وهما مدينتان عظيمتان، لكلّ منهما ألف باب، لا يحصى ما فيهما من الحدائق [٢] . قال: وقال بعض أهل العلم: في كلّ نفس خلق اللّه عوالم «يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَ النَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ» [٣] وخلق اللّه من جملة عوالمها عالما على صورتا إذا أبصرها العارف يشاهد نفسه فيها. ثمّ قال: وكلّ ما فيها حيّ ناطق، وهي باقية لا تُفنى ولا تتبدّل، وإذا دخلها العارفون إنّما يدخلون بأرواحهم لا بأجسامهم، فيتركون هياكلهم في هذه الأرض الدُّنيا ويجرّدون، وفيها مدائن لا تُحصى، بعضها يسمّى «مدائن النور» لا يدخلها من العارفين إلّا كلّ مصطفىً مختار، وكلّ حديث وآية وردت عندنا، فصرفها العقل عن ظاهرها وجدناها على ظاهرها في هذه الأرض، وكلّ جسدٍ يتشكّل فيه الروحاني من مَلكٍ وجنّ في كلّ صورة يرى الإنسان فيها نفسه في النوم، فمن أجساد هذه الأرض، انتهى. [٤]
متن الحديث الثاني والثلاثمائة
[١] قاله المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي، ج ٢٦، ص ٤٨٠، ذيل ح ٢٥٥٥٧.[٢] في المصدر: «الخلائق».[٣] الأنبياء (٢١): ٢٠.[٤] الوافي، ج ٢٦، ص ٤٨٠، ذيل ح ٢٥٥٥٧.