البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٥٩
وأقول: قوله عليه السلام : «إنّا» مبتدأ، وقوله: «اُمرنا» مع ما يتعلّق به خبره، وقوله: «معاشر الأنبياء» منصوب على الاختصاص، والمراد أنّه صلى الله عليه و آله ما كلّم أحدا ممّن لم يكن أهلاً لجميع الأسرار والغوامض بقدر ما بلغه عقله الشريف وغايته؛ لأنّ عقول أكثر العباد قاصرة عنه كعقول الأطفال مثلاً بالنسبة إلى عقول الكاملين من العلماء، فيكون التكلّم بالأسرار المعضلة والمسائل المشكلة الدقيقة معهم سببا لحيرتهم وضلالتهم. ويفهم من هذا الخبر كيفيّة التعليم، ووجوب رعاية حال المتعلِّم في التفهيم، وأنّه لابدّ أن يخفى عن الناس ما لا يصل إليه عقولهم ولا يقبله أحلامهم، وأنّ الحكيم هو الذي يعرف موارد الكلام، فيأتي به على وفق مقتضى المقام. ويظهر من كثير من الأخبار أنّ هذا الحكم مقصور على غير أهل بيت العصمة عليهم السلام ، وأنّه صلى الله عليه و آله كلّمهم ما بلغ إليه عقله.
متن الحديث الرابع والتسعين والثلاثمائة
.مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَم قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : إِنِّي رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ ، وَأَنَا أَدِينُ اللّهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ بِأَنَّكُمْ مَوَالِيَّ ، وَقَدْ يَسْأَلُنِي بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُنِي ، فَيَقُولُ لِي : مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَأَقُولُ لَهُ : أَنَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ ، ثُمَّ مِنْ بَجِيلَةَ ، فَعَلَيَّ فِي هذَا إِثْمٌ حَيْثُ [١] لَمْ أَقُلْ : إِنِّي مَوْلًى لِبَنِي هَاشِمٍ؟ فَقَالَ : «لَا ، أَلَيْسَ هَوَاكَ وَ قَلْبُكَ [٢] مُنْعَقِدا عَلى أَنَّكَ مِنْ مَوَالِينَا؟». فَقُلْتُ : بَلى وَاللّهِ . فَقَالَ : «لَيْسَ عَلَيْكَ فِي أَنْ تَقُولَ : أَنَا مِنَ الْعَرَبِ ، إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْعَرَبِ فِي النَّسَبِ وَالْعَطَاءِ وَالْعَدَدِ وَالْحَسَبِ ، فَأَنْتَ [٣] فِي الدِّينِ وَمَا حَوَى الدِّينُ بِمَا تَدِينُ اللّهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ بِهِ مِنْ طَاعَتِنَا ، وَ الْأَخْذِ بِهِ مِنَّا مِنْ مَوَالِينَا وَمِنَّا وَإِلَيْنَا» .
[١] في بعض نسخ الكافي وشرح المازندراني والوافي: + «إنّي».[٢] في كلتا الطبعتين: «قلبك وهواك».[٣] في الطبعة الجديدة وأكثر نسخ الكافي: «وأنت».