البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٧٣
المنجِّمين البتّة، وإنّما يتجمّلون الآن بالظاهر، وأنّه قد كان جائزا أن يجري اللّه العادة بذلك، لكن لا طريق إلى العلم بأنّ ذلك قد وقع وثبت. ومن أين لنا طريق أنّ اللّه تعالى أجرى العادة بأن يكون زحل والمرّيخ إذا كان في درجة الطالع كان نحسا، وأنّ المشتري إذا كان كذلك كان سعدا؟! وأيّ سمع مقطوع به جاء بذلك؟! وأيّ بنيّ خبّر به واستفيد من جهته؟! فإن عوّلوا في ذلك على التجربة بأنّا جرّبنا ذلك ومن كان قبلنا، فوجدناه على هذه الصفة، وإذا لم يكن موجبا فيجب أن يكون معتادا. قلنا: ومن سلّم لكم صحّة هذه التجربة وانتظامها واطّرادها، وقد رأينا خطأكم فيها أكثر من صوابكم، وصدقكم أقلّ من كذبكم، فألّا نسبتم الصحّة إذا اتّفقت منكم إلى الاتّفاق الذي يقع من المخمّن والمرجّم. فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممّا يخطئ، وهو على غير أصلٍ معتمد ولا قاعدة صحيحة. فإن قلتم: سبب خطأ المنجّم زلل دخل عليه في أخذ الطالع أوّل سير الكواكب. قلنا: ولِمَ لا كانت أصابته سببها الاتّفاق والتخمين، وإنّما كان يصحّ لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على صحّة أحكام النجوم دليلٌ قاطع هو غير إصابة المنجّم، فأمّا إذا كان دليل صحّة الأحكام الإصابة، فألّا كان دليل فسادها الخطأ [فما أحدهما في المقابلة إلّا كصاحبه]. [و]ممّا أفحم به القائلون بصحّة الأحكام، ولم يتحصّل عنه منهم جواب، إن قيل لهم في شيء بعينه: خذوا الطالع، واحكموا هل يؤخذ أو يُترك، فإن حكموا إمّا بالأخذ أو الترك خُولفوا خلاف ما خبّروا به، وقد أعضلتهم هذه المسألة والتعريف. ثمّ قال رحمه الله ما معناه: إنّ معجزات الأنبياء عليهم السلام إخبارهم بالغيوب، فكيف يقدر عليها غيرهم؟ فيصير ذلك مانعا أن يكون ذلك معجزا لهم. ثمّ قال رحمه الله: والفرق بين ذلك وبين ما يخبرون به من تأثير الكواكب في أجسامنا، فالفرق بين الأمرين أنّ الكسوفات واقترانات الكواكب وانفصالها طريقه الحساب وسير الكواكب، وله اُصول صحيحة وقواعد سديدة. وليس كذلك ما يدّعونه من تأثير الكواكب الخير والشرّ والنفع والضرّ. ولو لم يكن في الفرق بين الأمرين إلّا الإصابة الدائمة المتّصلة في الكسوفات وما يجري مجراها، فلا يكاد يبيّن [فيهما ]خطأ البتّة، فإنّ الخطأ المعهود الدائم إنّما هو