البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٩٧
وثانيها: أنّ المعنى لا يكذبوك بحجّة، ولا يتمكّنون من إبطال ما جئت به ببرهان، ويدلّ عليه ما روي عن عليّ عليه السلام أنّه كان يقرأ: «لا يكذبونك» ويقول: «إنّ المراد بها أنّهم لا يأتون بحقّ هو أحقّ من حقّك». وثالثها: إنّ المراد: لا يصادفونك كاذبا، تقول العرب: قاتلناكم فما أجبناكم، أي ما أصبناكم جبناء. ولا يختصّ هذا الوجه بالقراءة بالتخفيف دون التشديد؛ لأنّ أفعلت وفعلت يجوزان في هذا الموضع، وأفعلت هو الأصل فيه، ثمّ يشدّد تأكيدا مثل: أكرمت وكرّمت، وأعظمت وعظّمت، إلّا أنّ التخفيف أشبه بهذا الوجه. ورابعها: إنّ المراد لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به؛ لأنّك كنت عندهم أمينا صدوقا، وإنّما يدفعون ما أتيت به، ويقصدون التكذيب بآيات اللّه . ويقوّي هذا الوجه قوله: «وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّه ِ يَجْحَدُونَ» وقوله: «وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ» [١] ولم يقل: وكذبك قومك. وما روي أنّ أبا جهل قال للنبيّ صلى الله عليه و آله : ما نتّهمك ولا نكذّبك، ولكنّا نتّهم الذي جئت به ونكذّبه. وخامسها: أنّ المراد أنّهم لا يكذبونك بل يكذّبونني؛ فإنّ تكذيبك راجع اليّ، ولست مختصّا به؛ لأنّك رسول [اللّه ]، فمن ردّ عليك فقد ردّ عليَّ، ومَن كذّبك فقد كذّبني، وذلك تسليةً منه تعالى للنبيّ صلى الله عليه و آله . وقوله: «وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّه ِ» أي بالقرآن والمعجزات «يَجْحَدُونَ» بغير حجّة، سفها وجهلاً وعنادا، ودخلت الباء في «بِآيَاتِ اللّه ِ» والجحد يتعدّى بغير الجار [والمجرور]؛ لأنّ معناه هنا التكذيب، أي يكذبون بآيات اللّه . وقال أبو علي: الباء تتعلّق بالظالمين، والمعنى: ولكن بردّ آيات اللّه ، أو إنكار آيات اللّه ، يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك. [٢] (فقال: بلى، ولكن [٣] كذّبوه أشدّ التكذيب). لعلّ المراد أنّ التكذيب النسبة إلى الكذب، ولا شكّ في وقوعه في حقّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فلا معنى لنفيه؛ لأنّه خلاف الواقع، فينبغي قرائتها بالتخفيف، كما أشار إليه بقوله: (ولكنّها مخفّفة).
[١] . الأنعام (٦): ٦٦.[٢] تفسير مجمع البيان، ج ٤، ص ٤٢ ـ ٤٤ (مع التلخيص).[٣] في المتن الذي ضبطه الشارح رحمه الله سابقا: «واللّه لقد» بدل «ولكن».