البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٩٦
الكذب، إذا وجده كاذبا، أو نسبة إلى الكذب. «وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّه ِ يَجْحَدُونَ» ولكنّهم يجحدون بآيات اللّه ويكذبونها، فوضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنّهم ظلموا بجحودهم، أو جحدوا لتمرّنهم على الظلم، والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب. [١] قال الشيخ الطبرسي رحمه الله: قرأ نافع والكسائي والأعشى عن أبي بكر: «لا يكذبونك» بالتخفيف، وهو قراءة علي عليه السلام ، والمرويّ عن جعفر الصادق عليه السلام والباقون: «يكذّبونك» بفتح الكاف والتشديد. فمن ثقّل فهو من «فعّلته» إذا نسبته إلى الفعل، مثل زنّيته وفسّقته، إذا نسبته إلى الزنا، وقد جاء في هذا المعنى: «أفعلته»، يُقال: أسقيته، أي قلت له: سقاك اللّه ، فيجوز على هذا أن يكون معنى القرائتين واحدا، ويجوز أن يكون «لا يكذبونك» [أي] لا يصادفونك كاذبا، كما تقول: أحمدته، إذا أصبته محمودا. قال أحمد بن يحيى: كان الكسائي يحكي عن العرب: أكذبت الرجل، إذا أخبرت أنّه جاءك بكذب. وكذبته: إذا أخبرت أنّه كذّاب. [٢] ثمّ قال: واختلف في معناه على وجوه: أحدها: أنّ معناه: لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عنادا، وهو قول أكثر المفسّرين، عن أبي صالح، وقتادة، والسدي، وغيرهم، قالوا: يريد أنّهم يعلمون أنّك رسول، ولكن يجحدون بعد المعرفة، ويشهد لهذا الوجه ما روى سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لقي أبا جهل، فصافحه أبو جهل، فقيل له في ذلك، فقال: واللّه إنّي لأعلم أنّه صادق، ولكنّا متى كنّا تبعا لعبد مناف، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال السّدي؛ التقى أخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام، فقال له: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمّد أصادقٌ هو أم كاذب؟ فإنّه ليس هنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا. فقال أبوجهل: ويحك، واللّه إنّ محمّدا لصادق، وما كذب قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوّة، فما يكون لسائر قريش؟
[١] تفسير البيضاوي، ج ٢، ص ٤٠٤.[٢] تفسير مجمع البيان، ج ٤، ص ٤١ و ٤٢ (مع التلخيص).