البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٨٦
بالبال من التشاءمّ بالأشياء التي نهى عن التشاءم بها. قال ابن الأثير في النهاية: ومنه الحديث: الطيرة شرك، وما منّا ولكنّ اللّه يذهبه بالتوكّل. كذا جاء في الحديث مقطوعا، ولم يذكر المستثنى؛ أي إلّا وقد يعتريه التطيّر وتسبق إلى قلبه الكراهة. فحذف اختصارا واعتمادا على فهم السامع. وإنّما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ التطيّر يجلب لهم نفعا، أو يدفع عنهم ضرّا إذا عملوا بموجبه، فكأنّهم أشركوه مع اللّه تعالى في ذلك. وقوله: «ولكن اللّه يذهبه بالتوكّل» معناه إذا خطر له عارض التطيّر، فتوكّل على اللّه تعالى، وسلّم إليه، ولم يعمل بذلك الخاطر غفره اللّه له، ولم يؤاخذه به، انتهى. {-١-}
متن الحديث السابع والثلاثين والمائتين
.عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِي فِي قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ : «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ» [٢] فَقَالَ : «إِنَّ هؤُلَاءِ أَهْلُ مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الشَّامِ ، وَكَانُوا سَبْعِينَ أَلْفَ بَيْتٍ ، وَكَانَ الطَّاعُونُ يَقَعُ فِيهِمْ فِي كُلِّ أَوَانٍ ، فَكَانُوا إِذَا أَحَسُّوا بِهِ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ الْأَغْنِيَاءُ لِقُوَّتِهِمْ ، وَبَقِيَ فِيهَا الْفُقَرَاءُ لِضَعْفِهِمْ ، فَكَانَ الْمَوْتُ يَكْثُرُ فِي الَّذِينَ أَقَامُوا ، وَيَقِلُّ فِي الَّذِينَ خَرَجُوا ، فَيَقُولُ الَّذِينَ خَرَجُوا : لَوْ كُنَّا أَقَمْنَا لَكَثُرَ فِينَا الْمَوْتُ ، وَيَقُولُ الَّذِينَ أَقَامُوا : لَوْ كُنَّا خَرَجْنَا لَقَلَّ فِينَا الْمَوْتُ» . قَالَ : «فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ جَمِيعا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِيهِمْ وَأَحَسُّوا بِهِ خَرَجُوا كُلُّهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِالطَّاعُونِ خَرَجُوا جَمِيعا ، وَتَنَحَّوْا عَنِ الطَّاعُونِ حَذَرَ الْمَوْتِ ، فَسَارُوا فِي الْبِلَادِ مَا شَاءَ اللّهُ . ثُمَّ إِنَّهُمْ مَرُّوا بِمَدِينَةٍ خَرِبَةٍ قَدْ جَلَا [٣] أَهْلُهَا عَنْهَا ، وَأَفْنَاهُمُ الطَّاعُونُ ، فَنَزَلُوا بِهَا ، فَلَمَّا حَطُّوا رِحَالَهُمْ وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ، [٤] قَالَ لَهُمُ اللّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ : مُوتُوا جَمِيعا ، فَمَاتُوا مِنْ سَاعَتِهِمْ ، وَصَارُوا رَمِيما يَلُوحُ [٥] ، وَكَانُوا عَلى طَرِيقِ الْمَارَّةِ ، فَكَنَسَتْهُمُ الْمَارَّةُ ، فَنَحَّوْهُمْ وَجَمَعُوهُمْ فِي مَوْضِعٍ ، فَمَرَّ بِهِمْ
[١] النهاية، ج ٣، ص ١٥٢ (طير) مع التلخيص.[٢] البقرة (٢): ٢٤٣.[٣] في بعض نسخ الكافي: «قد خلا».[٤] في بعض نسخ الكافي: - «بها».[٥] في أكثر نسخ الكافي والوافي: «تلوح».