البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٨
والمبالغة فيه بالترغيب والترهيب؛ وذلك ]مقتضي] [١] شفقة الأنبياء وتعليق الظرف ب «بليغا» على معنى بليغا في أنفسهم مؤثّرا فيها ضعيف؛ لأنّ معمول الصفة لا يتقدّم الموصوف، والقول البليغ في الأصل هو الذي يطابق مدلوله المقصود به. «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّه ِ» بسبب إذنه في طاعته، وأمره المبعوث إليهم بأن يطيعوه، وكأنّه احتجّ بذلك على أنّ الذي لم يرض بحكمه وإن أظهر الإسلام كان كافرا مستوجب القتل. «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ» بالنفاق، أو التحاكم إلى الطاغوت. «جَاءُوكَ» تائبين من ذلك، وهو خبر «إنّ»، و «إذ» متعلّق بقوله: «فَاسْتَغْفَرُوا اللّه َ» بالتوبة والإخلاص. «وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ» ؛ وإنّما عدل عن الخطاب تفخيما لشأنه، وتنبيها على أنّ من حقّ الرسول أن يقبل اعتذار التائب وإن عظُم جرمه، ويشفع له، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذنوب. «لَوَجَدُوا اللّه َ تَوَّابا رَحِيما» [٢] يعلمون قابلاً لتوبتهم، متفضّلاً عليهم بالرحمة، وإن فسّر وجد بصادف كان «تَوَّابا» حالاً. «فَلَا وَرَبِّكَ» أي فوربّك، و«لا» مزيدة لتأكيد القسم، لا لتظاهر لا في قوله: «لَا يُؤْمِنُونَ» ؛ لأنّها تزاد في الإثبات، كقوله: «لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ» . [٣] «حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ» فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه. «ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجا مِمَّا قَضَيْتَ» ضيقا ممّا حكمت به، أو من حكمك، أو شكّا من أجله؛ فإنّ الشاكّ في ضيق من أمره. «وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما» [٤] وينقادوا لك انقيادا بظاهرهم وباطنهم. «وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ» ؛ تعرّضوا بها للقتل في الجهاد، أو اقتلوها كما قتل بنو إسرائيل، و«أن» مصدريّة، أو مفسّرة؛ لأنّ «كتبنا» في معنى «أمرنا». «أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَا قَلِيلٌ مِنْهُمْ» إلّا اُناس قليل منهم وهم المخلصون لما بيّن أنّ إيمانهم لا يتمّ إلّا بأن يسلّموا حقّ التسليم، نبّه على قصور
[١] أثبتناه من المصدر.[٢] النساء (٤): ٦٤.[٣] البلد (٩٠): ١.[٤] النساء (٤): ٦٥.