البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٦
طاعتهم ما داموا على الحقّ. وقيل: علماء الشرع؛ لقوله تعالى: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي اْلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [١] «فَإِن تَنَـزَعْتُمْ» أنتم واُولوا الأمر منكم «فِى شَىْ ءٍ» من اُمور الدّين، وهو يؤيّد الوجه الأوّل؛ إذ ليس للمقلِّد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس، إلّا أن يُقال: الخطاب لاُولي الأمر على طريقة الالتفات. «فَرُدُّوهُ» فراجعوا فيه «إِلَى اللَّهِ» إلى كتابه «وَالرَّسُولِ» بالسؤال عنه في زمانه والمراجعة إلى سنّته بعده. واستدلّ به منكروا القياس، وقالوا: إنّ اللّه تعالى أوجب ردّ المختلف إلى الكتاب والسنّة دون القياس. واُجيب: بأنّ ردّ المختلف إلى المنصوص عليه إنّما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وهو القياس، ويؤيّد ذلك الأمر به بعد الأمر بطاعة اللّه وطاعة الرسول؛ فإنّه يدلّ على أنّ الأحكام ثلاثه؛ مثبت بالكتاب، ومثبت بالسنّة، ومثبت بالردّ إليهما على وجه القياس. «إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ» ؛ فإنّ الإيمان يوجب ذلك. «ذَ لِكَ» أي الردّ «خَيْرٌ» خيرٌ لكم «وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» : عاقبة، أو أحسن تأويلاً من تأويلكم بلا ردّ. «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ» . [٢] عن ابن عبّاس رضى الله عنه: أنّ منافقا خاصم يهوديّا، فدعاه اليهودي إلى النبيّ صلى الله عليه و آله ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثمّ إنّهما احتكما إلى النبيّ صلى الله عليه و آله ، فحكم لليهودي، فلم يرض المنافق، وقال: نتحاكم إلى عمر، فقال اليهودي لعمر: قضى لي رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فلم يرض بقضائه، وخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم، فقال: مكانكما حتّى أخرج إليكما، فدخل، فأخذ سيفه، ثمّ خرج، فضرب عنق المنافق حتّى بَرَد، وقال: هكذا أقضي لمَن لم يرض بقضاء اللّه ورسوله، فنزلت، وقال جبرئيل: إنّ عمر فرّق بين الحقّ والباطل، فسُمّي الفاروق والطاغوت على هذا كعب بن الأشرف. [٣] وفي معناه من يحكم بالباطل، ويؤثر لأجله يسمّى بذلك لفرط طغيانه، أو للتشبّه بالشيطان، أو لأنّ التحاكم إليه
[١] . النساء (٤): ٨٣.[٢] النساء (٤): ٦٠.[٣] اُنظر: تفسير الآلوسي، ج ١٨، ص ١٩٤؛ أحكام القرآن لابن عربي، ج١، ص ٥٧٧.