البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٩٩
وأيضا فلأنّه كان جنّيّا واحدا مغمورا بين الاُلوف من الملائكة غلّبوا عليه في قوله: «فَسَجَدُوا» ثمّ استثني هو منهم استثناءً واحدا منهم، وقد كان مأمورا بالسجود معهم، فلمّا دخل معهم في الأمر جاز إخراجه منهم بالاستثناء. الثاني: إنّه لو لم يكن من الملائكة لما كان قوله تعالى: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ» [١] متناولاً له، فلا يكون تركه للسجود إباءً واستكبارا ومعصيةً، ولما استحقّ الذمّ والعقاب، فعلم أنّ الخطاب كان متناولاً له ولا يتناوله الخطاب، وأيضا يجوز أن يكون مأمورا بالسجود بأمرٍ آخر ويكون قوله تعالى: «مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» [٢] إشارة إلى ذلك الأمر. [٣] (فأتيت الطيّار). هو محمّد الطيّار. ويحتمل أن يُراد ابنه حمزة. (فأخبرته بما سمعت، فأنكره). لعلّه أنكر ثبوت الإخبار عن المعصوم، لا إخباره بعد ثبوته. (وقال: وكيف لا يكون من الملائكة واللّه ـ عزّ وجلّ ـ يقول: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَا إِبْلِيسَ» ). مبنى هذا الاستدلال على أحد من الوجهين السابقين، وقد عرفت جوابهما، وما قيل: من أنّه غفل عن قوله تعالى: «كَانَ مِنْ الْجِنِّ» فعلاً ومن الملائكة نوعا. وأيضا روي عن ابن عبّاس أنّ من الملائكة ضربا يتوالدون يُقال لهم الجنّ ومنهم إبليس. (فدخل عليه الطيّار) إلى قوله: (رأيت قوله عزّ وجلّ). كذا في كثير من النسخ، وفي بعضها: «أرأيت»، وهو أظهر. ( «يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا» في غير مكان) أي في مواضع عديدة من القرآن. وقوله: (من مخاطبة المؤمنين) بيان للقول: (أيدخل في هذا المنافقون). الظاهر أنّ غرضه الاستدلال بأنّه تعالى لمّا أمر الملائكة بالسجود وعصى إبليس بتركه، فيكون من الملائكة؛ لشمول الأمر المتوجّه إلى الملائكة له، فلو لم يكن منهم لم يشمله
[١] . البقرة (٢) ٣٤.[٢] . الأعراف (٧): ١٢.[٣] راجع في الأقوال: مرآة العقول، ج ٢٦، ص ٢٨١ ـ ٢٨٤.