البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٩٨
العامّة سيما المعتزلة [١] ، وذهب طائفة من المتكلِّمين وكثير من فقهاء الجمهور إلى أنّه منهم [٢] ، واختاره الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه اللهوقال: «هو المروي عن أبي عبداللّه عليه السلام ، والظاهر في تفاسيرنا». [٣] ثمّ اختلف من قال إنّه كان من الملائكة؛ فمنهم من قال: إنّه كان خازنا على الجنان، ومنهم من قال: إنّه كان له سلطان سماء الدُّنيا وسلطان الأرض، ومنهم من قال: إنّه يوسوس ما بين السماء والأرض. واحتجّ الأوّلون بوجوه؛ منها: قوله تعالى: «إِلَا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» [٤] قالوا: ومتى أطلق لفظ الجنّ لم يخبر أن يعني به إلّا الجنس المعروف الذي يقابل بالإنس في الكتاب الكريم. ومنها: قوله تعالى: «لَا يَعْصُونَ اللّه َ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ» [٥] فنفى عن الملائكة المعصية نفيا عامّا، فوجب أن لا يكون منهم. ومنها: إنّ إبليس له نسل وذرّية، كما قال تعالى: «أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ» والملائكة لا ذرّيّة لهم؛ لأنّه ليس فيهم اُنثى؛ لقوله تعالى: «وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثا» [٦] والذرّيّة إنّما تحصل من الذكر والاُنثى. ومنها: أنّ الملائكة رسل اللّه ؛ لقوله تعالى: «جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً» [٧] ورسل اللّه معصومون؛ لقوله تعالى: «اللّه ُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» ، [٨] ولا يجوز على رسل اللّه الكفر والعصيان، ملائكة كانوا أم بشرا. وذكروا وجوها اُخر تركناها مع ما يرد عليها مخافة الإطناب. واحتجّ الآخرون بوجهين: الأوّل: إنّ اللّه تعالى استثناه من الملائكة، والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل، وذلك يوجب كونه من الملائكة. واُجيب: بأنّ الاستثناء هنا منقطع، وهو مشهور في كلام العرب وكثير في كلامه تعالى،
[١] اُنظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٦، ص ٤٣٥؛ المواقف، ج ٣، ص ٤٥٢؛ فيض القدير، ج ٤، ص ٤٢٥.[٢] اُنظر: تفسير الرازي، ج ٢، ص ٢١٣؛ تفسير البيضاوي، ج ١، ص ٢٩٤.[٣] التبيان، ج ١، ص ١٥٣.[٤] . الكهف (١٨): ٥٠.[٥] . التحريم (٦٦): ٦.[٦] . الزخرف (٤٣): ١٩.[٧] . فاطر (٣٥): ١.[٨] . الأنعام (٦): ١٢٤.