البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٧٣
أقول: لمّا كان البضع يطلق على ما دون العشرة، وكان تمام غلبة أهل الإسلام على فارس في أواخر السنة السادس عشر، أو أوائل السبع عشر من الهجرة، وكان نزول الآية ـ على ما يفهم من ظاهر الخبر ـ في السنة السادس منها بعد مراسلة كسرى وقيصر، وعلى المشهور بين المفسّرين كان نزولها بمكّة قبل الهجرة، [١] وعلى التقديرين الزمان الموعود على البضع اعترض السائل عليه بقوله: (أليس اللّه عزّ وجلّ يقول: «فِي بِضْعِ سِنِينَ» فأجاب عليه السلام بقوله: (ألم أقل لكم أنّ لهذا تأويلاً وتفسيرا)، وحاصل الجواب: أنّ في الآية إشعارا باحتمال وقوع البداء، حيث قال: «للّه ِِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» ، أي للّه أن يقدّم الأمر قبل البضع وأن يؤخّره بعده. وقال بعض المحقّقين: الفرق بين التأويل والتفسير أنّ التأويل صرف الكلام عن معناه الظاهر إلى الأخفى منه، والتفسير كشف معناه وإظهاره وبيان المراد منه. [٢] وقوله عليه السلام : (والقرآن يا أبا عبيدة ناسخٌ ومنسوخ) إشارة إلى توضيح التأويل على وجه يندفع عنه الإيراد. وقوله عليه السلام : (أن يؤخّر ما قدّم، ويقدّم ما أخّر) بدل أو بيان للقول. وقال بعض الشارحين: توضيحه: أنّ وعد النصر في البضع منسوخ إلى الأزيد منه بدليل ما بعده ـ قال: ـ ويمكن أيضا أن يُراد به أنّ حقيقة البضع، وهو قطعة معيّنة من العدد ـ نسخت واُزيلت بإرادة المجاز منه، وهو قطعة أزيد منه وقع القضاء والحتم فيها، [والقرينة عليه ما بعده] وهذا بناءً على ما ذهب إليه جميع المحقّقين من أنّ الكلام لا يُصرف إلى الحقيقة ولا إلى المجاز، ولا يستقرّ شيء منهما إلّا بعد تمامه والفراغ من متعلّقه، فإن ذكرت قرينة المجاز حمل عليه وإلّا فعلى الحقيقة. [٣]
[١] راجع: التبيان، ج ٨، ص ٢٢٧؛ الكشّاف، ج ٣، ص ٢١٣؛ مجمع البيان، ج ٨، ص ٤٢.[٢] حكاه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ١٢، ص ٣٧٦ عن البعض.[٣] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ١٢، ص ٣٧٧ مع اختلاف يسير في اللفظ.