البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٢٩
السِّجْنِ» [١] . وللمؤمن في قوله: «فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ» [٢] ، وسمّى المؤمن صاحبا للكافر في قوله جلّ طوله: «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ» [٣] الآية. وقد اشتهر في العرف تسمية الحمار والجمار والكلب وأمثالها صاحبا، فظهر أن ليس في لفظ الصاحب دلالة على أصل إيمانه فضلاً عن فضله وإيقانه. وكذا في قوله: «معنا». قال اللّه تعالى: «مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [٤] ، وإرجاعهم ضمير «عليه» إلى أبي بكر خطأ فاحش خارج عن اُسلوب العربيّة؛ فإنّ الضمائر قبله وبعده تعود إلى النبيّ صلى الله عليه و آله جزما واتّفاقا، وهي قوله تعالى سابقا: «إِلَا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّه ُ» . [٥] وقوله: «إِذْ أَخْرَجَهُ» وقوله: «لِصَاحِبِهِ» وقوله فيما بعده: «وَأَيَّدَهُ» . فكيف يجوز أن يتخلّل بينها ما يعود إلى غيره؟ بل الآية تدلّ على عدم إيمانه دلالة ظاهرة؛ لأنّ اللّه تعالى كلّما ذكر إنزال السكينة على الرسول صلى الله عليه و آله ضمّ إليه المؤمنين، ففي سورة التوبة في قصّة حنين: «ثُمَّ أَنزَلَ اللّه ُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ» [٦] وهم أمير المؤمنين عليه السلام والذين ثبتوا معه تحت الراية. وقيل: إنّهم ثمانون رجلاً، وقد ثبت عند الفريقين أنّ العمرين ليسا منهم، بل كانا من المنهزمين. وفي سورة الفتح: «فَأَنْزَلَ اللّه ُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ» [٧] ، فظهر أنّ تخصيص الرسول هنا بإنزال السكينة حيث لم يقل عليهما، أو ما يجري مجراه، إنّما هو لعدم إيمانه، [٨] وأيضا خوفه واضطرابه يدلّ على عدم إيقانه بما وعد اللّه رسوله من النجاة والفتح والنصرة، بل كان ذلك إضرارا وتخويفا للنبيّ صلى الله عليه و آله لولا ما أنزل اللّه على رسوله من السكينة. وأيضا أيّ فضيلة لمَن هرب من الجهاد خوفا على نفسه وترك رسول اللّه صلى الله عليه و آله وخذله؟ وهل يقابل عاقل بين ما فعل أمير المؤمنين عليه السلام في وقائع كثيرة حيث فدى بمهجته، ووقا رسول اللّه صلى الله عليه و آله بنفسه، ولم يهرب ولم ينهزم قطّ من حضرته؟ وما يتذكّر إِلَا اُولُوا الاَلْباب.
[١] . يوسف (١٢): ٣٩.[٢] . الكهف (١٨): ٣٤.[٣] . الكهف (١٨): ٣٧.[٤] . المجادلة (٥٨): ٧.[٥] . التوبة (٩): ٤٠.[٦] . التوبة (٩): ٢٦.[٧] . الفتح (٤٨): ٢٦.[٨] اُنظر: مرآة العقول، ج ٢٦، ص ٢٥٥.