البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٩٨
(فإنّه نزل ماءً منهمر). في القاموس: «وانهمر الماء: انسكب، وسال». [١] والضمير المنصوب ليوم الطوفان، أو للشأن، أي ينزل فيه ماء منسكب سائل، أي من غير تقاطر، أو كثير من غير أن يعلم وزنه وعدده الملائكة، كما أشار إليه بقوله: (بلا وزن ولا عدد)؛ يعني في علم الملائكة وضبطهم، لا في الواقع. (جعل السحاب غرابيل للمطر هي تذيب البرد). في بعض النسخ: «حتّى» بدل «هي». والغرابيل: جمع غربال ـ بالكسر ـ ، و«البرد» محرّكة: حبّ الغمام. وقوله عليه السلام : (يُصيب بها) أي بتلك النقمة (من يشاء من عباده) إشارة إلى قوله ـ عزّ وجلّ ـ في سورة النور: «أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللّه َ يُزْجِي سَحَابا» [٢] . قال البيضاوي: أي يسوق «ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ» بأن يكون قزعا، فينضمّ بعضه إلى بعض، وبهذا الاعتبار صحّ مبناه؛ إذ المعنى بين أجزائه، ثمّ يجعل ركوما متراكما بعضه فوق بعض، «فَتَرَى الْوَدْقَ» أي المطر «يَخْرُجُ مِنْ خِلَــلِهِ» من فتوقه، جمع خلل، كجبال وجبل «وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ» من الغمام، وكلّ ما علاك فهو سماء «مِن جِبَالٍ فِيهَا» من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها «مِن بَرَدٍ» بيان للجبال والمفعول محذوف، أي ينزّل مبتديا «مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ» بَردا، ويجوز أن تكون «من» الثانية والثالثة للتبعيض واقعة موقع المفعول. وقيل: المراد بالسماء المظلّة، وفيها جبال من برد، كما في الأرض جبال من حجر، وليس في العقل قاطع يمنعه، والمشهور أنّ الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحلّلها حرارة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوى البرد هناك اجتمع، وصار سحابا، فإن لم يشتدّ البرد تقاطر مطرا، وإن اشتدّ فإن وصل إلى الأجزاء البخاريّة قبل اجتماعها نزل ثلجا، وإلّا نزل بَردا. وقد يبرد الهواء بردا مفرطا، فينقبض وينعقد سحابا، وينزل منه المطر أو الثلج، وكلّ ذلك لابدّ وأن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم؛ لقيام الدليل على أنّها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالّها وأوقاتها، وأشار إليه بقوله: «فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ» ، والضمير للبرد «يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ
[١] القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٦٢ (همر).[٢] . النور (٢٤): ٤٢.