البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٨٢
لا تعتبر في مثل ذلك الأمر إلّا مع الاختيار، مع أنّ فاطمة عليهاالسلاملم ترض بها، وبعض الصحابة لم يبايع مطلقا اتّفاقا، وقضيّة أبي ذرّ ومخالفته مع الثلاثة مشهورة، وفي كتب السيِّر وأخبار الخاصّة والعامّة مسطورة. وأجاب بعضهم عن تأخّر بيعته عليه السلام بأنّ ذلك لم يكن عن شقاق ومخالفة، وإنّما كان لعذر وطروّ أمر، انتهى. [١] وأنت خبير بأنّ مثل هذا الجواب لا يصدر عن عاقل فضلاً عن فاضل، وإنّما نشأ من محض التعصّب والعناد، ومجرّد الانحراف عن منهج الحقّ والسّداد؛ فإنّ امتناعه عليه السلام عن البيعة وإباؤه عنها مع كمال مبالغتهم في ذلك، حتّى فعلوا به ما فعلوا، وأضرموا في بيته النار، وفيه فاطمة عليهاالسلاموجماعة من بني هاشم، وأحرقوا بابه، وأخرجوه عليه السلام ، وضربوا فاطمة عليهاالسلام، فألقت جنينا اسمه محسن، وأمثال ذلك من القبائح التي بلغت في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار، صريح في أنّ تأخّره عليه السلام عن البيعة لم يكن لعذر، وكلام الآبي أيضا صريحٌ في ذلك على أنّه عليه السلام شديد الاهتمام في تشييد أركان الدِّين، وتمهيد قواعد الإسلام والمسلمين، كما يرشد إليه مسابقته ومسارعته في قبول دعوة سيّد المرسلين، وكثرة جهاده مع المشركين والقاسطين والناكثين والمارقين، وعظم بلائه في وقائع النبيّ صلى الله عليه و آله والمسلمين، ولم يبلغ أحدٌ من الصحابة علوّ درجته ونيل رتبته في غزوة بدر، مع قلّة المؤمنين وكثرة الكافرين، حتّى باشر بنفسه النفيسة قتل نصف المشركين، وكذا في غزاة اُحُد ويوم الأحزاب، حتّى قال النبيّ صلى الله عليه و آله : «لضربة عليّ خيرٌ من عبادة الثقلين»، [٢] وفي غزاة خيبر وحنين وسائر الغزوات في أيّام حياة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وبعد وفاته، وكونه أزهد الناس وأعبدهم بعد النبيّ صلى الله عليه و آله ، وإعراضه عن أعراض الدُّنيا وأغراضها، واتّصافه بالكمالات الخلقيّة والخُلقيّة أكملها وأسناها، فكيف يتصوّر من مثله التأخّر عن هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم لو كان حقّا، وأيّ عذرٍ يتخيّل في ذلك؟! ولكن من أضلّه اللّه وأعمى بصيرته، استوخم الحقّ، فلم يستعذبه. ومن يك ذا مخ مُرٍّ مريض يجد مرّا به الماء الزلالا
[١] المجيب هو المحقّق القوشجي، ولكن لم يحضر عندنا شرحه.[٢] عوالي اللآلي، ج ٤، ص ٨٦، ح ١٠٢.