البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٢١
وبالجملة: المراد بالاختبار والامتحان هنا ظهور قابليّة هؤلاء لأنفسهم، لا للأئمّة عليهم السلام ، بقرينة قوله عليه السلام : (وما كان هذا منّا تعاميا عليكم). وهنا احتمال آخر وهو: أن يكون المراد بنفي التعامي الإشعار بأنّ مثل تلك التكاليف لا يصدر عنهم عليهم السلام سفها وعبثا، بل لحكمة ومصلحة، وهي اختبار أخبارهم، وكتابة آثارهم. (فقال) أبو جعفر عليه السلام : (واللّه لكأنّما مادت بهم الأرض). الميد: التحرّك، والاضطراب، والتمايل. يُقال: مادت الأغصان، أي تمايلت. وهنا كناية عن تزلزلهم، وشدّة حالهم، كأنّ الأرض تنقلب، أو تزلزل بهم. (حياءً ممّا قال). قيل: الحياء: تغيّر وانكسار تلحق من فعل ما يذمّ به، أو تركه، وهو هاهنا حصل لهم ممّا قال عليه السلام من كثرة الوصف وقلّة الفعل، وهو في الحقيقة ذمّهم بأنّهم ليسوا من أهل الفعل، فحصل لهم انقباض واضطراب، ويأسهم من كونهم من أهل الجنّة؛ لما فهموا من أنّ أهل الجنّة أهل الفعل. [١] (حتّى إنّي لأنظر إلى الرجل منهم). الظاهر أنّ المراد كلّ واحد منهم. (يرفض عرقا). قال الجوهري: «رفض الدمع: ترشش». [٢] وقال في النهاية: «ارفض عرقا، أي جرى عرقه وسال». [٣] (ما يرفع عينيه من الأرض). من غاية الحيرة، ونهاية الدهشة الحاصلة من الاستحياء، فلمّا رأى عليه السلام ذلك منهم ترحّم بهم. (قال: رحمكم اللّه ، فما أردت إلّا خيرا). أي ما أردت ممّا قلت: إنّ أهل الوصف وأهل الفعل في الجنّة، كما أشار إليه بقوله: (إنّ
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ١٢، ص ٣٠٥ مع اختلاف في اللفظ.[٢] اُنظر: الصحاح، ج ٣، ص ١٠٧٩ (رفض).[٣] النهاية، ج ٢، ص ٢٤٣ (رفض) مع التلخيص.