البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٠٣
لرسول اللّه صلى الله عليه و آله ، اختلف المشركون في ولايته ومحبّته على أهواء مختلفة وآراء متشتّتة. (وهم في ذلك) الجمع والتفرّق. (يلعن بعضهم بعضا، ويبرأ بعضهم من بعض). كما هو معروف من طريقة أهل الخلاف، واختلاف الأشاعرة والمعتزلة في الاُصول، وفقهائهم الأربعة في الفروع، بل في الاُصول أيضا، بحيث يبرأ كلّ منهم من معتقد الآخر، ومع ذلك يقولون كلّهم على الحقّ، وأنّهم جميعا من أهل الجنّة؛ وهل هذا إلّا الاعتراف بالجمع بين المتناقضات، كما لا يخفى على العارف المتدرّب بكتبهم الكلاميّة وغيرها؟! وقيل: المراد أنّهم يوم القيامة يتبرّأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضا، حين رأوا ضلالتهم، وإحاطة العذاب بهم. والحاصل أنّه عليه السلام فسّر رجلاً بأبي بكر، وشركاء بمواليه، والتشاكس بتلاعنهم، وتبرّأ بعضهم من بعض. وهذا التفسير إمّا من بطون الآية، أو لأنّها بإطلاقها، أو عمومها صادق عليهم، أو بيان لمورد نزولها، والغرض الأصلي منها، وكذا قوله عليه السلام : (فأمّا رجلٌ سلم لرجل، فإنّه الأوّل حقّا)؛ يعني أمير المؤمنين عليه السلام ؛ فإنّه الإمام الأوّل حقّا، وشيعته فإنّهم راضون عنه، مستسلمون له، وهو راضٍ عنهم. وقال بعض الأفاضل: هذا الرجل يحتمل وجهين؛ الأوّل: أن يكون المراد بالرجل الأوّل في قوله تعالى: «وَرَجُلاً سَلَما لِرَجُلٍ» أمير المؤمنين عليه السلام ، وبالرجل الثاني رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ويؤيّده ما مرّ من رواية الحاكم، فالمقابلة بين الرجل باعتبار أنّ المتشاكس بين الأتباع إنّما حصل لعدم كون متبوعهم سلما للرسول صلى الله عليه و آله ، ولم يأخذ عنه صلى الله عليه و آله . والثاني أن يكون المراد بالرجل الأوّل كلّ واحد من الشيعة، وبالرجل الثاني أمير المؤمنين عليه السلام ، والمعنى: أنّ الشيعة لكونهم سلما لإمامهم، لا منازعة بينهم في أصل الدِّين، فيكون قوله عليه السلام . «الأوّل حقّا» بيانا للرجل الثاني، وشيعته بيانا للرجل الأوّل، والمقابلة في الآية تكون بين رجل فيه شركاء، وبين الرجل الثاني من الرجلين المذكورين ثانيا. والأوّل أظهر في الخبر، والثاني أظهر في الآية. {-٨-}
[١] الصحاح، ج ١، ص ١٦٨ (ضرب).[٢] القاموس المحيط، ج ٤، ص ٤٩ (مثل).[٣] نقل بالمعنى. اُنظر: تفسير البيضاوي، ج ٥، ص ٦٥ و ٦٦.[٤] القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٢٩ و ١٣٠ (سلم) مع التلخيص.[٥] عنه في بحار الأنوار، ج ٢٤، ص ١٦١، ح ١٠.[٦] لم نعثر على الرواية في تفسير العيّاشي. لكن روى عنه العلّامة رحمه الله في بحار الأنوار، ج ٢٤، ص ١٦١، ح ١١.[٧] مجمع البيان، ج ٨ ، ص ٣٩٧ و ٣٩٨ مع اختلاف يسير في اللفظ.[٨] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ٢٦، ص ١٥٤ و ١٥٥ (مع التلخيص واختلاف في اللفظ).[٩] القاموس المحيط، ج ٤، ص ٥٥ (نحل).