البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٠٠
من فهمها وإدراكها، فيصير سببا لحرمانه منها، فكأنّه دفع في صدره، ومنعه عن الوصول إليه. (ولكن يستلحق إليه) أي يجتهد في طلب لحوق الآخر إليه بالرّفق واللّطف والمداراة والهداية إلى أسباب اللّحوق والوصول، لا بالخرق والعنف والمناقشة. (ويستغفر اللّه ) لنفسه ولأخيه. أمّا الأوّل فلأنّ استغفاره شاهد صدق على أنّه لا يبرئ نفسه من العيوب والنقص والتقصير، وإن بلغ درجة الكمال. وأمّا الثاني فلأنّ استغفاره له ربما يصير سببا لبلوغه إلى تلك المرتبة، بل إلى ما فوقها. ويحتمل أن يُراد باستغفاره لأخيه سعيه في تحصيل ما يوجب المغفرة له. هذا وحمل بعض الشارحين قوله: «أن لا يختلفوا» على الاختلاف فيما بينهم بالتباغض والتحاسد، وقوله: «أن يسندوا أمرهم إليه» على عدم التجاوز عمّا أراد منهم من التعاون وترك التباغض والتناقض، وقوله: «أن يجذبه عن مكانه الذي هو به» بأن ينقص حقّه من التعليم والتوفير، وينكر فضله ويحسده ويبغضه، وقوله: «أن يدفع في صدره» بأن يذمّه ويلومه ويعيّره ولا يعينه. ثمّ قال: والغرض أنّه ينبغي لكلّ واحدٍ أن يعرف حقّ الآخر، فالمفضول يقرّ بفضل الأفضل، والأفضل يعين المفضول ويسعى في ترقّيه حتّى يستقرّ بالهم وينتظم حالهم، انتهى. [١] فتأمّل.
متن الحديث الثالث والثمانين والمائتين
.مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَم عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ : «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَما لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا» [٢] قَالَ : «أَمَّا الَّذِي فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ، فَلِأَنَّ الْأَوَّلَ يَجْمَعُ الْمُتَفَرِّقُونَ وَلَايَتَهُ ، وَهُمْ فِي ذلِكَ يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضا ، وَيَبْرَأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَمَّا رَجُلٌ سَلَمٌ لِرَجُلٍ [٣] ، فَإِنَّهُ الْأَوَّلُ حَقّا وَشِيعَتُهُ» .
[١] القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ١٢، ص ٢٩٩، مع اختلاف في اللفظ.[٢] الزمر (٣٩): ٢٩.[٣] في الطبعة القديمة: «رجل».