التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٣ - البحث الثاني بالاضافة إلى موقعها من علم المعاني
مفرداتها، وتقديم ما يقدّم منها وتأخير ما يؤخّر، وإمّا أن يكون نظرا في تركيب جُملها، فهذان نظران نتصدّى للنظر فيهما:
النظر الأوّل
في مفرادتها وتقديم بعضها على بعض. إنّما اختير لفظ «يا» من بين سائر أحرف النداء من جهة أنّها كثيرة الدور في الاستعمال، وأنّها موضوعة للدلالة على بُعد المنادى، والبُعد هنا يجب أن يكون معنويا، لأنّ البُعد الحسّيَّ على اللّه تعالى محالٌ، من جهة استحالة الجهة على ذاته، وذلك أنّ المعنويّ يكون من جهات خمس:
أوّلها: أنّه تعالى لمّا كان مختصا بعدم الأوّلية في ذاته سابقا على وجود الممكنات سبقا أوّليا بلا نهاية، وأنّ الأرض من جملة الممكنات التي لها بداية، ولاشكّ أنّ كلّ ما كان لا أوّل له، فهو في غاية البُعد عمّا له أوّل.
وثانيها: من جهة عدم التناهي في ذاته تعالى من كلّ وجه، بخلاف الأَرض، فإنّها متناهية في ذاتها من كلّ وجه، وليس يخفى ما بين التناهي وعدم التناهي من البُعد العظيم.
وثالثها: اختصاصُ ذاته بالعظمة والكبرياء، واختصاص الأَرض بنقيضها من التسخير والقهر.
ورابعها: اختصاصُ ذاته بالاستغناء من كلّ وجه في ذاته وصفاته، بخلاف الأرض، فإنّها مفتقرة في ذاتها من كلّ وجه إلى فاعل ومدبّر، ومن كان مستغنيا في ذاته وصفاته فإنّه في غاية البُعد المعنويّ عمّا يكون مفتقرا في ذاته وصفاته إلى غيره.
وخامسها: أنّه نداء من اختصّ بكمال العزّة لمن هو في غاية الذلّة، كما ينادي السيّدُ عبده.
فلمّا كانت الأرض مختصّة بما ذكرناه من البُعد من هذه الأوجه لاجَرَم كان نداؤها مختصّا ب- «يا» من بين صيغ النداء، وإنّما قال «يا أرض» ولم يقل «ياأرضي» إيثارا لتحقيرها، لأنّه لو أضافها إلى نفسه لكان قد أقام لها وزنا عنده بإضافتها إليه، لأنّ المضاف أبدا يكتسي من المضاف إليه شَرفا وتخصيصا وتعريفا، ولم يقل «يا أيّتُها الأَرض» إيثارا للاختصار وعملًا على الإيجاز وتحرُّزا عن الإيقاظ بما يظهر من لفظ التنبيه الذي لايليق