التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٧ - أعجب آية باهرة
ثمّ قيل «بُعدا للقوم» دون أن يقال «ليبعُد القوم» طلبا للتأكيد مع الاختصار، وهو نزول «بُعدا» منزلة «ليبعُدوا بُعدا» مع فائدة اخرى، وهي استعمال اللام مع «بُعدا» الدالّ على معنى أنّ البُعد حقّ لهم.
ثمّ أطلق الظلم ليتناول كلّ نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم، لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل.
هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم.
وأمّا من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذاك أنّه قد قدّم النداء على الأمر، فقيل «يا أَرْضُ ابْلَعِي» و «يا سَماءُ أَقْلِعِي» دون أن يقال «ابلعي ياأرض» و «أقلعي ياسماء» جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة، من تقديم التنبيه، ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى، قصدا بذلك لمعنى الترشيح.
ثمّ قدّم أمر الأَرض على أمر السماء وابتدىء به لابتداء الطوفان منها ونزولها لذلك في القصّة منزلة الأصل، والأصل بالتقديم أولى.
ثمّ أتبعهما قوله «وغيض الماء» لاتّصاله بقصّة الماء وأخذه بحجزتها. ألا ترى أصل الكلام «قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ- فبلعت ماءها- وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي- عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله- وَ غِيضَ الْماءُ- النازل من السماء فغاض-».
ثمّ أتبعه ما هو المقصود من القصّة، وهو قوله «وَ قُضِيَ الْأَمْرُ» أي انجز الموعود من إهلاك الكفرة، وإنجاء نوح ومن معه في السفينة. ثمّ أتبعه حديث السفينة، وهو قوله «وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ». ثمّ ختمت القصّة بما ختمت.
هذا كلّه نظر فيالآية من جانبي البلاغة.
٣- وأمّا النظر فيها من جانب «الفصاحة المعنوية» فهي- كماترى- نظم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخّصة مبيّنة، لاتعقيد يعثر الفكر في طلب المراد، ولاالتواء يشيك الطريق إلى المرتاد. بل إذا جرّبت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها. فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق إلى اذنك إلّا ومعناها أسبق إلى قلبك.