التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٤ - أرض هامدة وأرض خاشعة
خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ».[١]
وجاء التعبير الثاني في سورة فصّلت: «وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ. وَ مِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».[٢]
أمّا لماذا هذا الاختلاف في التعبير في المقامين؟
الجوّ في السياق الأول جوّ بعث ونشور وحشر أموات، فيتناسب معه تصوير الأرض «هامدة» لاحياة فيها ولاحركة ولاانتفاضة.
يقال: همدت النار أي خمدت وأطفئت وهدأت حرارتها وسكن لهيبها. وهمد الثوب:
إذا بلي وتقطّع من طول البلى.
لكن الجوّ في السياق الثاني جوّ عبادة وضراعة وخشوع وابتهال إلى اللّه تعالى، فناسبه تصوير الأرض «خاشعة» خشوع الذلّ والاستكان. يقال: خشعت الأرض إذا يبست ولم تُمطر.
ونكتة اخرى: لم تجىء «اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ» هنا للغرض الذي جاءتا من أجله هناك.
إنهما هنا تُخيّلان حركة حاصلة عن خشوع، حركة تضاهي حركة العُبّاد في عباداتهم، ومن ثمّ لم تكن الأرض لتبقى وحدها خاشعة ساكنة، فاهتزّت لتشارك العابدين في حركاتهم التعبّدية وفق إرادة اللّه في الخلق.
[١] - الحجّ ٥: ٢٢.
[٢] - فصّلت ٣٧: ٤١- ٣٩.